كبار الأطباء البيطريين يفسرون لماذا غالبًا ما يكون من المستحيل إنقاذ حيوان إثر إصابة لا تكاد تمثل أيّ تهديد بالنسبة للإنسان.

لا شيء يقوّض سباق الخيل من حقيقة أن أبطالها قد يعانون من إصابة قاتلة في أيّ لحظة، وكل ما يلزم هو خطوة خاطئة في غير محلها لكسر العظم تجعل إنقاذ الحصان شبه مستحيل.

خيول السباق حيوانات قوية بشكل لا يصدق، شجاعة، صبورة وجريئة.

لكن في مزيج خاطئ من الظروف، تصبح مصنوعة من الزجاج.

مثال على ذلك حصان السباق الفائز بالبطولة الوطنية الأسكتلندية (Young Kenny) الذي حطم فجأة مفصل أسفل قدمه في حين كان يركض على العشب المسطح بين الأسوار في هايدوك.

عندما تموت خيول السباق أثناء العمل، غالبًا ما توجه أصابع الاتهام إلى الرياضة.

ولكنّ، على الرغم من الجهود وإمكانية السقوط تزيد من الخَطر، السبب الرئيسي لهذه اللحظات المزعجة تمامًا هو أنَّ الخيول في كثير من الأحيان لا تتمكن من التعافي من الإصابات التي لا تشكل أيّ تهديد بالنسبة للبشر.

لا تكتسب الخيول إصابات أثناء السباقات فقط، بل يمكن أن تتعرض للإصابة أثناء القيام بالرياضة أو النشاط الترفيهي أو حتى حين تعبث من تلقاء نفسها في الحقل.

لكن على الرغم من حب أصحابها لها وأنفاق أموال طائلة عليها لا توجد وسيلة مؤكدة للتعافي من النوع الخطير من الكسور.

بحثا عن تفسيرات، وجهت أسئلتي الساذجة إلى اثنين من الأطباء البيطريين الذين يحظون باحترام كبير في سلطة الفروسية البريطانية، منهم البروفيسور تيم موريس والطبيبة البيطرية جيني هول.

معظم البشر يتعافون بسهولة من الكسور على مستوى الساق، لماذا لا يمكن للخيول ذلك؟

تقول الطبيبة هول: «المشكلة تكمن في أنّ عظامهم أصبحت أخفُّ وزنًا، عظامهم قويّة تمكنهم من تحمل أوزانهم الثقيلة وكذلك خفة وزنها تمكنهم من الانطلاق بسرعة، ولسوء الحظ مجرد خطأ بسيط يؤدي إلى تحطمها».

عندما يحدث ذلك، فإنه من غير الممكن إصلاح العظام، وليس لأنه تحطم إلى الكثير من القطع الصغيرة التي لن تلتئم معا فقط.

قضية أخرى هي ما أسمته الطبيبة هول «تشوه البلاستيك»، وهذا يعني أن العظم ينحني قبل أن يكسر وهذه هي الحالة التي يتم الحفاظ عليها في القطع الصغيرة.

حتى لو كان من الممكن وضع القطع معًا مرة أخرى، سيكون من الصعب إرجاع القطع الصغيرة إلى حالتها الأصلية بعد الانحناء.

وواصلت: «عندما تنظر إلى أطرافها السفليّة، حيث توجد نسبة عالية من هذه الإصابات، هناك القليل جدًا من الأنسجة الرخوة التي تغطي العظام؛ لذلك للأسف، في كثير من الأحيان، إذا كان هناك كسر، قد يخرق العظم الجلد، الذي يتحول إلى كسر مفتوح».

وأضافت: «حتى لدى الناس، يصعب الحصول على الشفاء في هذا الوضع، فما بالك عند الحصان، بغض النظر عن مدى سرعة سحب الفارس عنه، فإنه من الصعب ألّا يحصل تلف للجلد وضياع كبير للدماء».

واضاف موريس: «الانسجة الحية تحتاج إلى دم، إذا كان هناك كسر كل الأعصاب والأوعية الدموية التي في حافة حادة من العظام يمكن أن تقطع؛ لذلك قد تموت الأنسجة، ناهيك عن وجود ما يكفي من امدادات الدم للشفاء».

حتى لو كان هناك احتمال بعيد أن العظام قد تشفي، قد لا تكون فكرة جيدة للانتظار والنظر، بسبب مضاعفات التهاب طبقات حساسة من الأنسجة.

التهاب الأنسجة؟

يرتبط حافر الحصان لساقها عن طريق الأنسجة الليفية، تعتبر قوية بما فيه الكفاية لدعم وزن الحصان عندما يتم تقاسم هذا العبء 500KG عبر أربعة أرجل.

عندما يكسر الحصان إحدى سيقانه ويحاول دعم نفسه باستمرار على الثلاثة الأخرى، فإن العبء المتزايد يخلق مشاكل خطيرة في انسجة الصفيحة في قاعدة تلك الساقين.

يقول موريس : «بدلًا من 500 كيلوغرام يجري توزيعها حول أربعة حوافر والقدرة تحملها، تعطى قوة إضافية ثالثة على الحوافر المتبقية والتي تتعرض لضغوط.

المشكلة هي في أن الأنسجة تقع بين العظم و الحافر مما يؤدي الى التهابها بسرعة وذلك مؤلم بشكل لا يُصَدّق».

تقول هول: «ويؤثر على إمدادات الدم، إنه نخر إثر الضغط، مثل قرحة السرير».

يقول موريس أن التهاب الانسجة يمكن علاجها مع المسكنات، جنبًا إلى جنب مع أدوية أخرى للتعامل معها، يقول: «فشل إمداد الحصان بالدماء، لأن هناك الكثير من الالتهاب، ولكن المشكلة تكمن في إمكانية الحصول على حلقة مفرغة مع المزيد من الألم، والمزيد من الالتهاب، قد تتطور بسرعة كبيرة الى حالة شديدة».

لذلك أيّ مالك للأحصنة يفكر في إمكانية تعافي حصانه من كسر على مستوى الساق يجب أن يأخذ بعين الاعتبار درجة الألم التي سيمر بها جراء إلتهاب الانسجة ومن ثم، وكما تشير الدكتورة هول، هناك أيضًا مسألة «نوعية الحياة التي سيحصلون عليها في نهاية الأمر».

إذا تعرّضت لبتر أحد أطرافك، يمكنك أن تحظى بنوعية جيدة من الحياة، أليس كذلك؟ كيف يمكنك الحكم على نوعية حياة الحصان؟ هل سيكون لديها القدرة على التجول بحرية في الأسطبل؟ هل سيحتاج لمسكنات للألم على المدى الطويل؟ يمكننا نحن البشر الحصول على ساق جديدة لو اضطررنا لذلك الذي بدوره غير ممكن عند الأحصنة.

تشير الدكتورة هال إلى المبادئ التوجيهية للقتل الرحيم التي نشرتها الجمعية الأمريكية للخيالة الأمريكيين، والتي تشمل المبادئ التوجيهية للمساعدة في اتخاذ قرارات إنسانية بشأن القتل الرحيم للخيول:

  •  تجنُّب تحميل الحصان آلام مستمرة أو لا يمكن التحكم فيها من حالة مزمنة وغير قابلة للشفاء.
  •  عدم تحميل الحصان نتائج حالة طبية أو جراحية ميؤوس منها في البقاء على قيد الحياة.
  •  عدم إبقاء الحصان على قيد الحياة أيًا كان في حالة طبية يصعب السيطرة عليها مما يجعله خطرًا على نفسه و على القائمين عليه.
  •  لا ينبغي أن يتلقى الحصان دواء مسكن مستمر للتخفيف من الألم لبقية حياته.
  •  يجب ألّا يكون الحصان مربوط لبقية حياته في الاسطبل للوقاية أو الإغاثة من الألم الذي لا يمكن السيطرة عليه أو المعاناة.

لا يمكننا أن نفعل أكثر لمساعدتهم؟ دعمهم مع الرافعات بينما يشفي العظام؟ استبدال العظام بشكل مصطنع؟

حتى لو اقتنعنا بكذبة إمكانية تعافي العظام، هناك مشاكل أخرى.

وزنه، على وجه الخصوص، يعمل ضده.

يقول هول: «إنهم يحصلون على قروح الضغط إذا كانوا يستلقون طوال الوقت، الأمور التي يصعب إدارتها في الناس، ناهيك عن الحصان 500 كيلوغرام».

هل يمكن أن نتركهم إلى جانبهم حتى يتعافوا؟ «لا»، قال هول: «سيحصلون على الالتهاب الرئوي للمبتدئين».

وقال موريس: «ربما كنت قد سمعت في كثير من الأحيان، وخاصة مع كبار السن الذين يذهبون إلى المستشفى جراء كسر على مستوى عظم الورك إذ يبقونهم هناك وبعد فترة يحصلون على الالتهاب الرئوي الثانوي جرّاء الاستلقاء في وضعيات خاطئة لمدة طويلة، والسوائل التي تتراكم في الرئة لا تحصل على تطهير بشكل جيد وهذه هي نقطة العدوى».

وقال موريس: «بالتأكيد، أقترح، يمكن دعم الحصان بالحبال، ذلك يجنبه من خطر التهاب الأنسجة في حين تشفي ساقه».

وأسوأ من قروح الفراش قروح الحبال، بسبب احتكاك الحصان لعدم اعتياده على ذلك، والتي ستتم لأسابيع.

الدكتورة هول: «مرّة أخرى، إنهم ثقيلون؛ لذلك، سيحصل ضغط على الجهاز المعوي وتغيرات من الناحية المزاجية، وكذلك، لا يمكنك أن تفسر للحصان ما تفعله، لا يمكنك أن تقول له وتأمره بالبقاء هناك بهدوء، و أنه سيكون على ما يرام، و لا يقلق بشأن ذلك لانه سوف يكون هناك لمدة ثلاثة أسابيع فقط».

ماذا عن استبدال العظام بشيء اصطناعي؟ يقول موريس: «المستشفيات البشريّة تخزن مواد التعبئة الإصطناعية أو العظام البشرية المشععة لتكون سقالة.

مرة أخرى، المشكلة دائمًا في وزن الحصان، ويمكنك استخدام هذه المواد إلّا إذا كنت قد حصلت على كسر بسيط، لكنها ليست هيكلية على الإطلاق».

يتمّ أحيانًا وضع الخيول بسرعة كبيرة على مضمار السباق، هل من الممكن إجراء تقييم مناسب بسرعة؟

تقول هول: «بسبب الطريقة التي يتم بها نشر خدمات الطوارئ على مضمار السباق، فإن أول جراح بيطري يصل إلى الحصان،سيكون هناك بسرعة كبيرة لأنه يكون متابع للسباق في سيارة على جنب المضمار».

«الخيول التي أصيبت بجروح قاتلة، وإصابات بالغة جدًا، الجانب المصاب منها لن يكون قادرًا على تحمّل أي وزن».

وقالت هول: «سباق الخيول فعالة جدًا في نقل الاتصالات من الحصان المصاب إلى المدرجات؛ لذلك الذين هم على اتصال مع هذا الحصان سوف يكونون قادرين على تقييم وفهم شدة الوضع».

«إذا تمكّن الحصان من السفر بشكل مريح، بأمان، خارج مضمار السباق، سيعود الحصان في سيارة إسعاف ويؤخذ إلى منطقة العلاج البيطري، حيث يمكن أخذ مزيد من الوقت لتقييم الحصان، وتقرر ما إذا كان يحتاج للذهاب إلى المستشفى، يمكن للحاضرين اتخاذ قرار سليم ومستنير بشأن الإصابة، ومدى واقعيّّة ذلك بالنسبة لمستقبل الخيل ورفاهيته على المدى الطويل، ما إذا كان الإصلاح خيارًا جيدًا».

وعلى النقيض من الخوف وراء سؤالي، يتم اتخاذ قرارات حاسمة بسرعة كبيرة، واستشهد هول وموريس بحالة حديثة في ساندون حيث يبدو أن بعض من كانوا في الحشد أعربوا عن قلقهم من أنّ الطبيب البيطري استغرق وقتًا طويلًا مع الحصان ليقرر بشأنه بعد أنّ كسر طرفًا أمام المدرجات.

وفي الواقع، أشاروا إلى أنّ الطبيب البيطري أعطى الحصان حقنة مسكنة بمجرد وصوله إلى مكان الحادث، كما هو الحال في الممارسة المعتادة.

و لم يكن الحصان في أي ألم وكان هناك وقت لإجراء فحص دقيق والتوصل إلى قرار دون عجل.

هل يمكننا أن نأمل في عدد أقل من الوفيّات في المستقبل؟

ويشير موريس إلى رسم بياني على موقعه الإلكتروني يظهر عدد وفيات الخيول كل عام، معبرًا عنه كنسبة مئوية من إجمالي المتسابقين.

هناك صعود وهبوط ولكن الرسم البياني يظهر اتجاها تنازليًا تدريجيًا على مدى السنوات الـ15 الماضية.

ينسب موريس هذا الانخفاض، جزئيًا على الأقل، إلى تحسن التكنولوجيا.

فيقول: «لقد تغيرّت تمامًا، التخدير أفضل، مسكنات الألم أفضل، تكنولوجيا أفضل لرفع الخيول، عمليات زرع أقوى، فهم أفضل لبيولوجيا العظام وكيف تشفى، تشخيص أفضل، إنها حزمة كاملة من المعرفة».

وأضاف: «نحن نعتقد أننا قد فعلًا الأمور السهلة من حيث الأرض والعقبات والعلاج البيطري، وللانتقال إلى القفزة القادمة، ما نقوم به الآن هو السؤال حول ما هي عوامل الخطر المعقدة؟».

«منذ عام 2000، بطريقة منهجية، تمكنّا من جمع كل معلومات حول كل موت أو إصابة وتفاصيل ذلك، حوالي مليون عدّاء على مدى 10 عامًا، إنها كبيرة بما فيه الكفاية للقيام بإحصائيات ونحن نبحث في قاعدة بيانات السباقات لدينا لمعرفة ما الأسباب».

«هذا يجري مع جامعة غلاسكو، من قبل مجموعة البحوث الوبائية، لذلك نحن نفعل مراجعة منهجية للحصان الذي لديه وفاة أو إصابة، و البحث في العوامل المختلفة؟».

وبمجرد تحديد عوامل الخطر، يمكن لموريس وهول وزملائها النظر في التدخلات الممكنة التي يمكن أن تقلل من تلك المخاطر. في جميع أنحاء سباق الخيل البريطاني كله، لا أحد يفعل المزيد من العمل المجدي.

مواضيع ذات صلة:


  • ترجمة: بلعريبي راغب.
  • تدقيق: صهيب الأغبري.
  • تحرير: عيسى هزيم.
  • المصدر