سبيس إكس – إيلون ماسك – شهد السكان المحليون جنوب ولاية تكساس مشهدًا بدا وكأنه من عالم آخر ليلة الخميس 25/7/2019. ظهرت مركبة ضخمة تزأر بالسماء قرب الشاطئ تبدو كمرآة مصقولة عبر سحب من الأدخنة المتصاعدة ذات اللون البرتقالي، ظلت المركبة تحلق في السماء إلى أن عادت وهبطت على الأرض بسلام.

صورة للنموذج الأولي لمركبة SpaceX المسماه بـ (Starhopper rocket ship).

صورة للنموذج الأولي لمركبة SpaceX المسماه بـ (Starhopper rocket ship).

رغم أن العملية لم تستغرق أكثر من دقيقة، إلا أن هذا المشهد الليلي يعتبر أول رحلة حقيقية للمركبة الفضائية Starhopper rocket ship التابعة لشركة SpaceX. وتمثل هذه المهمة خطوة رئيسية وضرورية في مشروع صاحب الشركة إيلون ماسك لإرسال البشر إلى المريخ والقمر. تبدو تلك المركبة مثل برج عملاق ذي ثلاثة أرجل، ويُرى بالكاد عبر أدخنة العادم وظلام الليل، ولكن صرح ماسك عبر حسابه على تويتر أن المهمة الاختبارية نجحت بالفعل وقد وصف المركبة مازحًا ببرج المياه الطائر.

نتجت عن عملية الإطلاق حرائق عشبية وعمل رجال الإطفاء على احتوائها، ولكنها انتشرت على مدار الليل إلى أحد مآوي الحياة البرية، ونشر فيسبوك مقطعًا يوم الجمعة يظهر رجال الطوارئ وهم يصلون إلى مسرح الحريق وينصبون خراطيم المياه لإطفاء النيران.

قال المتحدث الرسمي لشركة سبيس إكس : «حدث حريق عشبي عقب أول محاولة ناجحة لإطلاق النموذج الأولي للمركبة (Starship)، ويعمل فريق SpaceX بالتعاون مع قسم إطفاء الحرائق بمدينة براونزفيل (Brownsville) للسيطرة على الحادث. واتُخذت كافة إجراءات السلامة والأمان للعامة، وحرص رجال الطوارئ على ابتعاد المقيمين قرب الإطلاق عن نطاق منطقة الأمان التي حُددت سلفًا».

لماذا تعتبر هذه المهمة خطوة رئيسية لتصل سبيس إكس إلى المريخ والقمر؟

لم تُصمَم تلك المركبة (Starhopper) التي أُطلقت في هذه المهمة لتطير إلى الفضاء، ولكنها تُعد منصة اختبار للتقنيات التي ستُستخدم في نظام إطلاق أضخم وأكثر قوة وهي المركبة المعروفة بسفينة النجوم (Starship). يعتقد ماسك أن سفينة النجوم ستكون بارتفاع 122 مترًا، وستكون مصنوعة من الصلب غير القابل للصدأ، وستبلغ قدرة استيعابها القصوى أثناء رحلتها للمريخ 100 شخص إضافة إلى أكثر من 100 طن من الحمولة في المرة الواحدة، وستكون السفينة قابلة لإعادة استخدامها تمامًا مثل المكوك الفضائي.

أما (Starhopper) وهي النموذج التجريبي يبلغ ارتفاعها 18 مترًا بعرض 9 أمتار، وتكتسب قوة دفعها بواسطة محرك صاروخي واحد من طراز رابتور (Raptor)، في حين أن سفينة النجوم بحمولتها القصوى ستُدفع بواسطة 41 محركًا من طراز رابتور.

سفينة النجوم كما يتصورها إيلون ماسك.

سفينة النجوم كما يتصورها إيلون ماسك.

رغم غلاء تلك المحركات الصاروخية، إلا أنها ضرورية لرحلات الفضاء، ولهذا تعمل سبيس إكس على تجربة واختبار عدد محدود من تلك المحركات على مركبات اختبارية بسيطة مثل (Starhopper) لتوفير التكلفة واكتشاف أية مشاكل أو أعطال بالمحركات قبل استخدامها الفعلي في المهمات الرئيسية.
يهدف ماسك إلى استخدام سفينة النجوم عدة مرات مع أقل ترميم ممكن بين كل رحلة وأخرى، ووفقًا لكلامه فهذا سيوفر الكثير من الأموال مقارنةً باستخدام الصواريخ التقليدية التي تُستخدم لمرة واحدة.

قال ماسك: «إن قابلية المركبات الفضائية لإعادة استخدامها تمثل مفتاح السفر إلى الفضاء، دونها لن نتحول إلى كائنات متعددة الكواكب، ولن نتمكن من بناء قاعدة على القمر أو مدينة على المريخ». ولكننا سنحتاج إلى العديد من السنوات للقيام بالمهمات الاختبارية لنصل لهذه المرحلة، وهنا تكمن أهمية مهمة (Starhopper) كونها خطوةً أولى.

شرعت سبيس إكس في تشييد (Starhopper) بالقرب من قرية بوكا تشيكا بولاية تكساس في نوفمبر 2018، وعرضها ماسك لأول مرة في يناير 2019، وأُطلقت للمرة الأولى في مهمات بسيطة وصفها ماسك بالقفزات في بداية أبريل 2019، تمت هذه القفزات البسيطة عن طريق تثبيت المركبة على الأرض باستخدام سلاسل ضخمة من أرجل المركبة لذلك تقفز المركبة عند الإطلاق عدة أمتار فقط ولا تطير. فشلت محاولة الإطلاق يوم الأربعاء الساعة 8:32 مساءً (حسب توقيت المنطقة الزمنية الشرقية للأمريكتين)، توقف المحرك فجأةً بمجرد اشتعاله، لهذا أُعيدت المحاولة يوم الخميس وتكللت المهمة بالنجاح.

قالت كيت تايس (Kate Tice) المهندسة بشركة سبيس غكس أثناء البث المباشر يوم الأربعاء: «سنضطر إلى إلغاء المهمة اليوم، يبدو أمامكم أن المركبة لا تنطلق».

حلقت المركبة يوم الخميس بنجاح وسط سحب من الغبار وأدخنة عادم المحرك الصاروخي، وارتفعت إلى 20 مترًا ثم انحرفت قليلًا وهبطت على منصة الهبوط الخرسانية المُصمَمة لها والتي انطلقت منها. استغرقت الرحلة كلها نحو 10 ثوانٍ. إضافةً للمقطع الذي نشره ماسك من الجو للمهمة، نشر مقطعًا آخر للمهمة عبر كاميرا مثبتة أسفل المركبة عند المحرك تظهر كيف يدفع المحرك رابتور المركبة.

يظهر الفيديو التالي المهمة من تصوير أحد السكان المحليين ومتابعي شركة SpaceX، يظهر الإطلاق في الفيديو من جانب آخر.

رغم صعوبة ملاحظة المركبة، تظهر قمتها بصورة سريعة فوق سحب الأدخنة والنيران.

أثبتت لنا تلك المهمة نجاح سبيس إكس في تطوير محرك صاروخي قادر على دفع مركبة ضخمة مثل (Starhopper) والمناورة بها في الجو لتنفيذ عملية الهبوط. يعمل هذا المحرك عن طريق حرق الميثان السائل، وهو يمثل غالبية الغاز الطبيعي على الأرض، ويأمل ماسك أن ينجح في تصنيع هذا الوقود اعتمادًا على المريخ وموارده الممكنة.

قرر ماسك تنفيذ عملية إطلاق للمركبة (Starhopper) لارتفاع أعلى يتعدى 200 متر وذلك خلال أسبوع أو أسبوعين وفقًا لتصريحه صباح الجمعة التي تلت المهمة بعد نجاح أول عملية إطلاق غير مقيدة بالسلاسل للمركبة.

حصلت سبيس إكس على ترخيص من الحكومة يسمح بإطلاق مركبات تجريبية مثل (Starhopper) في رحلات لا تستمر لأكثر من ست دقائق على ارتفاع لا يزيد عن خمسة كيلومترات. ولكن لن تتوقف سبيس إكس عند ذلك إذ تبني الشركة الآن مركبةً تجريبيةً بارتفاع 180 قدمًا أي ما يعادل 55 مترًا، ويطلق عليها Starship Mark 1 وقد قال ماسك إنه من المحتمل أن تطير تلك المركبة التجريبية خلال شهر أو شهرين من الآن من تكساس أو فلوريدا على أن تصل للمدار بنهاية العام.

مقارنة تبين ارتفاعات المركبات الفضائية المختلفة بالنسبة لارتفاع الإنسان، ستكون سفينة النجوم الأطول على الإطلاق

مقارنة تبين ارتفاعات المركبات الفضائية المختلفة بالنسبة لارتفاع الإنسان، ستكون سفينة النجوم الأطول على الإطلاق

قال ماسك في مارس 2019 إنه يعمل الآن على الحصول على التراخيص للخروج في رحلات مدارية للنماذج الأولية التجريبية مثل (Starship Mk1)، والتي ستُزوَد بثلاثة محركات من طراز المحرك الصاروخي رابتور وليس محركًا واحدًا مثل (Starhopper).

تخطط سبيس غكس لإطلاق سفينة النجوم بحالتها النهائية قبل نهاية 2020، ثم إطلاق رحلة أخرى خلال العام 2021. قال ماسك: «ربما ستحاول الشركة أن تهبط أولًا بسفينة النجوم بكامل حمولتها وأنظمتها على القمر في مهمة غير مأهولة، وذلك لتبرهن لناسا بشكل واضح على قدرة هذه المركبة».

ستطلق الشركة في عام 2023 أول مهمة مأهولة لسفينة النجوم، سيكون أول الركاب بليونير ياباني مع طاقم خاص من الفنانين اختارهم بعناية، وستقوم المركبة بجولة حول القمر.

قال جوين شوتويل (Gwynne Shotwell) مدير عمليات شركة سبيس إكس : «تأمل الشركة أن تنجح في إرسال أول مهمة لوضع حمولتها على المريخ في 2024 على أن تُرسل أول مهمة مأهولة بالبشر إلى الكوكب الأحمر في 2026».

قال ماسك أثناء الاحتفالية بإنشاء موقع الإطلاق بقرية بوكا تشيكا في سبتمبر 2014: «سيكون من الممكن جدًا أن يغادر أول بشري يهبط على كوكب آخر من هنا من هذه القاعدة».

المصدر

اقرأ أيضًا
إيلون ماسك قام حتى الآن فقط بنظرة استكشافية للصاروخ الذي سيسافر إلى القمر والمريخ!

ترجمة محمد شريف – تدقيق محمد سعد السيد – مراجعة نغم رابي