قبل القرن العشرين، كانت الليبراليّة الكلاسيكيّة هي الفلسفة السياسيّة المسيطرة في الولايات المتّحدة.

فقد كانت الفلسفة السياسيّة التي اتبعها (توماس جيفرسون – Thomas Jefferson) وموقّعو إعلان الاستقلال، وقد انتشرت هذه الفسلفة من خلال إعلان الاستقلال، الدستور، الأوراق الفيدراليّة وعدّة مستندات أخرى والتي أنشأها أشخاص صمّموا نظام الحكم في الولايات المتحدة الأمريكيّة.

عدد من المُعتقين والذين عارضوا العبوديّة كانوا بالأساس ليبراليين كلاسيكيين، كما يتماشى الأمر أيضًا على المناضلين في سبيل منح المرأة حقّ الاقتراع والذين حاربوا من أجل مساواة الحقوق بين المرأة والرجل.

بشكلٍ أساسيّ، إنّ الليبراليّة الكلاسيكيّة هي الإيمان بالحريّة.

حتّى في يومنا هذا، فإنّ أحد أوضح التصريحات عن هذه الفلسفة موجود في إعلان جيفرسون للاستقلال.

في ذلك الوقت، وكما هو الحال الآن، معظم البشر آمنوا أنّ الحقوق تأتي من الحكومة. يعتقد البشر أنّ لديهم مثل هذه الحقوق فقط لأنّ الحكومة التي انتخبوها تعيطهم إياها.

ولكن، على خطى الفيلسوف البريطاني (جون لوك – John Locke) -والذي جادل جيفرسون أنّ العكس هو الصحيح- فإنّ الناس يمتلكون حقوقًا بشكلٍ منفصلٍ عن الحكومة كجزءٍ من طبيعتهم.

والغرض الشرعيّ الوحيد من وجود الحكومة هو حماية هذه الحقوق.

الآن، الأشخاص الذين يطلقون على أنفسهم صفة ليبراليين كلاسيكيين يميلون لامتلاك نفس وجهة النظر حول دور الحكومة التي امتلكها جيفرسون ومعاصروه. علاوة على ذلك، فإنّهم لا يميلون لصناعة أيّ تمييزٍ مهمٍ بين الحريّات الاقتصاديّة والحريّات المدنيّة.

في الطرف اليساريّ من الطيف السياسيّ، الأمور تبدو معقّدةً أكثر من ذلك.

الفرق الجوهريّ بين ليبرالييّ القرن التاسع عشر وليبرالييّ القرن العشرين هو أنّ الأول يؤمن بالحريّات الاقتصاديّة والأخير لا يؤمن بذلك.

يؤمن ليبراليو القرن العشرين أنّ تنظيم الحكومة لأماكن، وأوقاتٍ، وأجورٍ للعمل الخاص بالأفراد، بالإضافة للأشياء التي يستطيعون شراءها، وبيعها، والسعر الذي يبيعون به، لا يشكّل انتهاكًا للحقوق الأساسيّة.

في المجال الاقتصاديّ كلّ شيءٍ جائز -تقريبًا-.

في الوقت نفسه، استمر ليبراليو القرن العشرين بالتأثر بالاعتقاد الليبراليّ السائد في القرن التاسع عشر بخصوص الإيمان باحترام الحريّات المدنيّة.

في الحقيقة، وبمرور القرن الماضي، تنامى دعم الليبراليين للحريات المدنيّة، حيث بدأت مجموعات مثل الاتحاد الأمريكيّ للحريّات المدنيّة (ACLU) بالإعلان بفخرٍ عن شعار الليبرتاريّة المدنيّة (التحرريّة المدنيّة).

في القرن العشرين -وحيث كانت الليبراليّة هي الفلسفة المسيطرة- مالت السياسة العامة لعكس معتقداتها.

وبحلول نهاية القرن، امتلك الأفراد حريّات اقتصاديّة أقل، وأقل من الحريّات التي امتلكوها في البداية، لكنّهم امتلكوا حريّات مدنيّة أكثر.

خصائص الحقوق الفرديّة

أعلنت وثيقة الحقوق أنّ للأفراد “حقوقًا”.

ولكن ماذا يعني أن يمتلك الفرد حقًّا؟ هل تختلف بعض الحقوق عن الأخرى جوهريًا؟ في التقليد الليبراليّ الكلاسيكيّ، تتميّز الحقوق بعدة خصائص وهي:

الارتباطيّة:

تتعلق الحقوق بالمسؤوليّات الأخلاقيّة التي يحملها الأفراد تجاه بعضهم البعض.

بشكلٍ دقيق، فهي تشير إلى نطاقٍ من السيادة، حيث يتّخذ الأفراد خياراتهم دون تدخلٍ من الآخرين.

بهذه الطريقة، فإنّ الحقوق تعمل كقيودٍ أخلاقيّةٍ جانبيّة لتصرفات الأفراد الآخرين.

في عالَم يتألّف من فردٍ واحدٍ، أو في عالَم لا يتفاعل فيه الأفراد مع بعضهم أبدًا، لن تتواجد الحقوق، بمعنى أنّه لن يدّعي فردٌ بحقه ضدّ شخصٍ آخر، ولن يتدخل فرد في ممارسة الآخرين لحقوقهم الفرديّة.

تتواجد الحقوق لأنّ الأفراد يتفاعلون مع بعضهم سعيًا منهم وراء مصالحهم الشخصيّة.

هناك معنى آخر لارتباطيّة الحقوق، فهي تحدّ من الممارسات المسموح بها أخلاقيًا والتي قد تتخذها الحكومة للتدخّل بحياة الأفراد المتواجدين تحت الحكم.

تنطوي الحقوق على التزامات:

تُجيز الحقوق الأعمال المشرّعة أخلاقيًا.

بهذه العمليّة، فإنّ الحقوق تنشئ التزامًا من الأفراد الآخرين ليكفّوا عن منع تلك الأعمال -المشرّعة أخلاقيًا-.

إنّ القول: «لدى جو الحقّ في عمل شيءٍ معين» ينطوي على التزامٍ من جميع الأفراد بعدم التدخّل في عمل جو لهذا الشيء.

على سبيل المثال فإنّ القول: «لدى جو الحقّ في بناء أرجوحةٍ في فنائه الخلفيّ» ينطوي على التزامٍ من جميع الأفراد بعدم التدخل بأعمال بناء جو لأرجوحته.

تنطوي الحقوق الأساسيّة على التزاماتٍ سلبيّة:

يُلزم حقّ جو في بناء أرجوحته جميع الأفراد بعدم التدخّل، لكنّه لا يلزمهم بالمساعدة، مثلًا، في أعمال التأثيت، وتوفير المواد وغيرها.

لذا، فإنّ حقّ جو في البناء يخلق التزاماتٍ سلبيّةٍ للآخرين وليس التزاماتٍ إيجابيّة.

تنطوي كلّ الحقوق الأساسيّة على الالتزامات السلبيّة.

على سبيل المثال، ينطوي الحقّ بحريّة التعبير على التزام -سلبيّ- الآخرين بعدم التدخّل في حديثك.

لا ينطوي هذا الحقّ على التزامٍ -إيجابيّ لتأمين منصّة، ميكروفون، وجمهور لك كي تتحدث.

كما ينطوي الحقّ بحريّة الصحافة على التزام -سلبيّ- الآخرين بعدم التدخّل في ما تنشره، لكنّ هذا الحقّ لا يُنشأ التزامًا -إيجابيّ- بتوفير الورق، الحبر، والمطابع لك لكي تنشر.

ويُنشأ الحقّ بحرية التجمّع التزامًا -سلبيّ- للآخرين بعدم التدخل في اجتماعك مع الآخرين، لكنّه لا يُنشأ التزامًا -إيجابيّ- بتأثيث قاعةٍ مناسبةٍ للتجمّع.

تنبثق من الحقوق الأساسيّة -على سبيل المثال حقّ الحياة، حقّ الحريّة وحقّ الملكيّة- الحقوق المشتقّة، وهي بمثابة التزامات جديدة تتواجد عند ممارسة الأفراد لحقوقهم الأساسيّة.

بشكلٍ افتراضيّ، فإنّ كلّ الحقوق التي تنشأ عن طريق التجارة، التبادل، والعقود هي حقوقٌ مشتقّة.

على سبيل المثال، يمتلك جو دراجةً ويوافق على تأجيرها لِتوم لمدّةٍ من الزمن، لذلك فإنّ لِجو الحقّ بالتوقّع بإرجاع توم لدراجته مع رسوم التأجير المتفق عليها. بهذا يتطلّب حقّ جو التزامًا إيجابيًا من طرف توم.

الحقوق متوافقة:

هل يمكن أن تتعارض الحقوق؟ في المفهوم الليبراليّ الكلاسيكيّ، ينطوي التعارض بين الحقوق على تناقض.

لننظر في اثنين من الادعاءات:

  1. يمتلك جو الحقّ في فعل شيءٍ معيّن.
  2. يمتلك توم الحقّ في التدخّل في فعل جو لهذا الشيء.

تنطوي الجملة الأولى على التزامٍ من توم بعدم التدخّل في فعل جو لشيءٍ معيّن، بينما تنطوي الجملة الثانية على عدم التزام توم بالجملة الأولى.

بالتالي، هناك تناقض بين الجملتين.

لكي تكون الحقوق متّسقة منطقيًا، عليها أن لا تتعارض، وبهذا يمكننا القول أنّ الحقوق يجب أن تكون متوافقة.

التوافق يعني أنّ حقوق أيّ فرد يجب أن تكون منسجمةً مع نفس الحقوق التي يمتلكها فرد آخر.

هذه هي الميّزة وراء المثل القائل: «تنتهي حرّيتك عندما تبدأ حريّة الآخرين»، والعكس صحيح.

لنأخذ الادعاء بأنّ كلّ فردٍ يمتلك الحقّ بالحريّة، التوافق بهذه الحالة ينطوي على عدم افساد أيّ حقّ للآخرين بالحريّة عند ممارسة الفرد لحقّه بالحريّة.

هذا لا يعني أنّ الأشخاص لا يستطيعون التنافس للوصول إلى أهدافٍ متبادلة حصريّة، بل يعني أنّ المنافسة ستنحصر في سياق الحقوق.

بعبارةٍ أخرى، قد يكون هناك تعارض بين الأفراد -مثل سعيهم لتحقيق أهدافٍ متعارضة- لكنّ لا يمكن أن يكون هناك تعارض بخصوص الحقوق.

بالإضافة إلى العبارة القائلة أنّ الحقوق المتوافقة لا تنطوي على عدم وجود خلافاتٍ ونقاشاتٍ حول ماهيّة هذه الحقوق -لهذا السبب لدينا محاكم قانونيّة- ، لكنّ الافتراض وراء عقد جلسة قانونيّة هو أنّه وعلى الرغم من اختلاف المتنازعين، فإنّ هناك حقوق موضوعيّة وغير متناقضة على المحكمة اكتشافها.

الحقوق الأساسيّة غير قابلة للمصادرة:

في إعلان الاستقلال، أعلن (توماس جيفرسون – Thomas Jefferson) أنّ الحقوق الأساسيّة غير قابلة للمصادرة، أي أنّه لا يمكن مصادرة هذه الحقوق من حاملها، لا يمكن التخلي عنها أو إزالتها، لا يمكن شرائها، بيعها أو المقايضة بها.

مع ذلك يمكن أن تُنتهك.

يستطيع جو التخلي عن أرجوحته أو أن يقاضيها بأشياء أخرى، يستطيع جو أيضًا أن يشتري، يقايض، أو يتبرّع بأشياء أخرى تخصّه، لكنّه لا يستطيع أن يتخلى، يبيع، أو يقايض بحقّه في الملكيّة على نفس النحو.

قد يُحدّ من حريّة الأفراد من خلال العقود أو الموافقات، أو من خلال اتخاذ إجراءاتٍ معيّنة -على سبيل المثال تحت بنود العقد- ، لكنّهم لا يستطيعون التخلي عن حقهم بالحريّة بشكلٍ مشابه.

لا تأتي الحقوق الأساسيّة من الحكومة:

لا تَكتسب الحقوق شرعيّتها من الحكومة فقط -كما ينصّ إعلان الاستقلال ببلاغة- بل على العكس تمامًا.

تَكتسب الحكومة شرعيّتها من وجود الحقوق.

من وجهة نظر لوك، جيفرسون والآخرين، فإنّ الأشخاص العقلانيين والأخلاقيين يشكّلون الحكومة لغرضٍ صريحٍ وهو حماية الحقوق.

في الرسالة الثانية حول الحكومة، يحاجج لوك أنّ الحكومات الشرعيّة -في الواقع- وُجدت لتُسهّل الحماية والتنفيذ الفعّال لهذه الحقوق، ولا يجب عليها أن تُلغي الحقوق الطبيعية للأفراد.

في نظريّات الحقوق الطبيعيّة، فإنّ الحكومات تؤسس عن طريق القبول العام، لكنّ الحقوق الأساسيّة لا تستند إلى الموافقة العامة.

الحقوق الموضوعيّة في مواجهة الحقوق الإجرائيّة:

بعض الحقوق المذكورة في وثيقة الحقوق هي حقوقٌ موضوعيّة، أمّا الحقوق الأخرى فهي حقوق إجرائيّة.

من الواضح أنّ الآباء المؤسسين كانوا قلقين للغاية من كلتيهما -الحقوق الموضعيّة والحقوق الإجرائيّة-.

الفرق بينهما هو أنّ الحكومات تُنشأ الشرعيّة لحماية الحقوق الموضوعيّة.

ولكن، خلال تنفيذ هذه المهمة يتعيّن على الحكومة الالتزام بإجراءاتٍ معيّنة، ممّا يؤدي لخلق حقوقٍ إجرائيّة.

على سبيل المثال، يحدد الدستور أنّ بعض مسؤولي الحكومة يجب انتخابهم.

ينطوي هذا على أنّ للمواطنين حقّ -إجرائيّ- بالتصويت.

علاوة على ذلك، ومن أجل حماية الحقوق والفصل في النزاعات حولها، يجب على الحكومة أن تمارس صلاحياتٍ شرطيّة محددة.

في أنظمتنا، شُمِلَت بعض الضمانات الإجرائيّة في الدستور، الأمر الذي يحدد كيف تتصرف الحكومة في ممارسة هذه الصلاحيّات.

على سبيل المثال، يفرض الدستور على الحكومة أن تحصل على مذكّرة قبل اعتقال شخصٍ أو حجز ملكيّته.

إضافةً إلى ذلك فإنّ الدستور يفرض على الحكومة أن تُجري محاكمةً سريعةً وعلنيّة أمام هيئة محلّفين محايدة وغير متحيّزة في الجرائم الخطيرة، وأن تمتلك القدرة على مواجهة الشهود وإجبارهم على الإدلاء بشهادتهم.

كل هذه الحقوق هي حقوق إجرائيّة.

خصائص الحقوق الإجرائيّة:

كما يُلاحظ، فإنّ الحقّ بالتصويت، الحقّ بالمحاكمة أمام هيئة محلّفين، ينبعان من كلّ قواعد الأدلّة التي تطبّقها المحاكم.

للحقوق الإجرائيّة أربعة خصائص على الأقل وهي:

1- الحقوق الإجرائيّة أقلّ جوهريّة من الحقوق الموضوعيّة، بالتأكيد، فإنّ الغاية من وجود الحقوق الإجرائيّة هي حماية الحقوق الموضوعيّة.

2- الحقوق الإجرائيّة تقليديّة، سواء كان للهيئة التشريعيّة مقرٌ واحد أو مقرّين، سواء كنّا نصوّت لمرة واحدة في السنة أو مرة كلّ ستة أشهر، سواء كان لدينا ثلاثة فروع للحكومة أو أربعة أو خمسة. كلّ هذه قرارات يجب اتخاذها، و ليس بالضرورة أن يكون لأيّ قرارٍ منها الأفضليّة على قرار آخر. بغض النظر عن حقيقة كون هذه الحقوق تقليديّة، فالكثير من هذه الحقوق -رغم ذلك- هي حقوق دستوريّة، لم يُرِد المؤسسون لها أن تتغير بسهولة.

3- تنطوي هذه الحقوق على التزاماتٍ إيجابيّة.

بعكس الحقوق الأساسيّة الموضوعيّة -والتي تنطوي فقط على التزاماتٍ سلبيّة- تنطوي الحقوق الإجرائيّة على التزامات إيجابيّة.

على سبيل المثال، يُلزِم الحقّ بالتصويت الآخرين -مسؤولي الحكومة- على توفير صناديق الاقتراع، تخصيص يومٍ للتصويت، طباعة أوراق اقتراع، وغيرها من الأمور.

كما يُلزِم الحقّ بمحاكمةٍ عن طريق هيئة محلفين الآخرين -مسؤولي الحكومة- باختيار هيئة محلّفين، توفير قاضٍ، توفير قاعة محكمة مُتاحة، وغيرها من الأمور.

4- الحقوق الإجرائيّة هي بمثابة نتيجة لتوازن المصالح.

لأنّ الحقوق الإجرائيّة تُنشئ التزاماتٍ إيجابيّة، يمكننا القول، أنّه لا يمكن حمايتها دون استخدام القوّة أو التهديد بالقوّة.

وبالتالي فإنّ الحكومات مخوّلة أن تحثّ الأفراد على فعل أشياءٍ قد لا يقومون بفعلها من أجل ضمان هذه الحقوق -من ضمن ذلك، على سبيل المثال، جمع الضرائب من دافعي ضرائب غير راغبين-.

ولهذا السبب، فإنّ تأمين هذه الحقوق يتطلّب توازنًا دقيقًا بين قيمة الحقوق الموضوعيّة -والتي وُجدت الحقوق الإجرائيّة لحمايتها- والخطر بانتهاكها نتيجةً للأفعال التي تحاول حمايتها.

الحقوق الموضوعيّة بمواجهة سلطات الشرطة التابعة للدولة:

في العالم الليبراليّ الكلاسيكيّ يكون الأفراد أحرارًا في السعي وراء مصالحهم الشخصيّة لطالما أنّ ذلك لا ينتهك حقوق الأفراد الآخرين.

إنّهم أحرار بالتجارة أو بعدم التجارة مع الآخرين، إنّهم أحرار بالاجتماع مع الآخرين أو عدم الاجتماع بهم.

وبما أنّ الحقوق الموضوعيّة الأساسيّة تُنشئ التزاماتٍ سلبيّةً، فإنّ الفرد سيحترم حقّ الآخرين من خلال عدم التدخّل بممارسات الآخرين لحقوقهم.

يتضمن التدخّل بالآخرين الإجبار أو التهديد بالإكراه أو الاحتيال -والذي يُفسّر على أنّه شكل غير مباشرٍ من الإجبار-.

لهذا، فإنّ العالم الليبراليّ الكلاسيكيّ هو عالم مُسالم، كلّ التفاعلات فيه اختياريّة. إنّ العالم الذي تُحتَرم فيه كلّ الحقوق هو عالمٌ خالٍ من الإجبار أو الخِداع.

مع هذا، ومن أجل منع وقوع الجريمة، القبض ومعاقبة المجرمين، تسوية النزاعات وتنفيذ الواجبات الضروريّة لحماية هذه الحقوق، يجب على كلّ حكومةٍ ممارسة سلطات شرطيّة، وهي السلطات المرفوضة عادةً من قِبَلِ المواطنين العاديين.

إليك ثلاثة من بين الأسئلة التي تحفّزها هذه السلطات:

  1.  إذا انتهك أحد الأفراد حقوق فردٍ آخر -مثلًا بارتكابه جريمةً- هل يُصادر من المُنتَهِك حقّه بالحياة، الحريّة، وغيرها من الحقوق؟
  2.  إذا أجبرت الحكومة شخصًا على الإدلاء بشهادته، أو أصدرت مذكّرات استدعاءٍ بحقّه، أو صادرت ممتلكاته، وما إلى ذلك، وثَبُتَ لاحقاً أنّه بريء، هل تُعتَبَر الحكومة منتهِكةً لحقوق أشخاصٍ أبرياء؟ إذا كانت الإجابة على السؤال السابق “ليس دائمًا”، فأين يمكن رسمُ الحدود التي تصبح بعدها الممارسة الشرعيّة لسلطات الشرطة انتهاكًا للحقوق الفرديّة؟
  3.  تظهر مشكلةٌ محتملةٌ عندما تُمارس الحكومة سلطاتها الشرطيّة للدفاع عن الحقوق.

المواطن الليبراليّ الكلاسيكيّ يمتلك الحقّ بشكلٍ واضح بأن لا يتمّ حجزه أو البحث عنه بشكلٍ عشوائيّ، لكن لنفترض أنّ مسؤولًا حكوميًا اشتبه بكون أحد المواطنين لصًّا أو أنّه يخفي الممنوعات.

لنفترض أيضًا، أنّه وبعد البحث، الاحتجاز، والمحاكمة ثَبُتَ أنّ المواطن مذنب. كيف يمكنّنا وصف تصرّفات الحكومة هذه باستخدام لغة الحقوق؟

يمكن إلغاء الحقوق تحت ظروف معيّنة، أيّ أنّه يمكن تبرير إلغائها.

على سبيل المثال، ينطبق نفس المنطق على البحث واحتجاز شخصٍ تبيّن فيما بعد أنّه بريء.

إذا كان البحث منطقيّ وهناك ما يبرره فهذا لا يُعتبر انتهاكًا لحقوق هذا الشخص البريء.

بل على العكس، يمكن أن تُعلّق هذه الحقوق أو أن يتمّ تجاهلها عند السعيّ لمواضيع أكبر -مثل الدفاع عن حقوق الجميع-.

من الواضح، أنّ الكثيرون يتوقّفون على تعريف كلمة “منطقيّ”.

عند تعريفها على نطاقٍ واسعٍ فإنّ سلطات الشرطة التابعة للدولة تهدد كلّ الحقوق الموضوعيّة لكلّ مواطن.

لضمان حصر هذه السلطات، تمّ إنشاء الحقوق الإجرائيّة المنصوص عليها في الدستور.

هذه الحقوق الإجرائيّة ليست مهمةً فقط لتجّار المخدرات وزعماء المافيا -الذين يستخدمون هذه الحقوق لتوسيع نشاطاتهم-، إنّها مهمة لكلّ مواطنٍ في الممارسة اليوميّة.

الحقوق في مواجهة الاحتياجات:

لتقدير مفهوم الليبراليّة الكلاسيكيّة للحقوق الفرديّة، من المهم أن نفهم ما يتمّ رفضه، وما يتمّ تأكيده.

عند قولنا أنّ الأفراد يمتلكون الحقّ بالسعي نحو سعادتهم الشخصيّة فنحن نشير إلى عدم التزامهم بالسعي نحو سعادة الآخرين.

بعبارة أخرى، ينطوي الحقّ بالحياة، الحريّة، السعي نحو السعادة على عدم إلزام الأفراد بخدمة حاجات، مخاوف، أمنيات ورغبات الآخرين.

هذا لا يعني أنّه على كلّ شخص أن يكون أنانيّ، لكنّه ينطوي على أنّ كلّ شخص يمتلك الحقّ بأن يكون أنانيّ.

في العالم الليبراليّ الكلاسيكيّ، الحاجة لسيت مطلبًا، أيّ أنّ الحاجات، الأمنيات، الطلبات، المشاعر والرغبات ليست مطالب ضدّ عقلك، جسمك أو ملكيتك.

في الوقت الذي كُتب فيه إعلان الاستقلال عنى أنّ للمستعمرين الأمريكيين الحقّ في السعي نحو مصالحهم الشخصيّة، بمعزلٍ عن احتياجات الملك جورج والإمبراطوريّة البريطانيّة.

وفي الوقت المناسب، تمّ توسيع هذا المفهوم مؤكدًا على حقّ كلّ فردٍ في السعي نحو مصالحه الشخصيّة، رغم وجود حاجات لا يتمّ تحقيقها في مكانٍ ما على هذا الكوكب أو حتّى في الجوار.

المفهوم الشموليّ للحقوق

تجدُر الإشارة إلى أنّ جميع أشكال الشموليّة في القرن العشرين رفضت هذا المفهوم الكلاسيكيّ للحقوق، وأكدّت جميعها بطريقتها الخاصّة أنّ الحاجة هي مطلب.

بالنسبة للشيوعيين، حاجات الطبقة -البروليتاريا- هي مطلبٌ ضدّ كلّ الأفراد.

بالنسبة للنازيين، حاجات العِرق هي مطلبٌ.

بالنسبة للفاشيين، حاجات المجتمع ككلّ هي مطلبٌ.

وباعتبار الدولة في كلّ هذه الأنظمة هي تجسيدٌ للطبقة، العرق، المجتمع ككل، وما إلى ذلك، تنطوي كلّ هذه الإيدولوجيات -بدرجة أو بأخرى- على أنّ الأفراد ملزمون بالعيش من أجل الدولة.

رغم أنّ كلّ الأنظمة الشموليّة في القرن العشرين عارضت المفهوم الليبراليّ الكلاسيكيّ للحقوق، ندُرَت جدًا مهاجمتهم لمفهوم “الحقوق” على هذا النحو.

بدلًا من ذلك، فقد حاولوا إعادة تعريف مفهوم “الحقوق” بطريقة تنزع منه أيّ مفهومٍ مفيدٍ عن الحريّة.

على سبيل المثال، في عام 1944 وفي إعلان اتحاد الولايات -رسالة يقدّمها الرئيس الأمريكيّ للكونغرس- نادى الرئيس (فرانكلين د. روزفلت – Franklin D. Roosevelt) إلى تأسيس وثيقة حقوقٍ أخرى تتضمن ما يلي:

  • الحقّ في الحصول على وظيفةٍ مجزيةٍ ومفيدة في الصناعات، أو المحلات التجاريّة، أو المزارع، أو المناجم التابعة للدولة.
  • الحقّ في كسب ما يكفي لتوفير الغذاء الكافي والملبس والترفيه.
  • حقّ كلّ مزارعٍ في جمع منتجاته وبيعها بمقابلٍ سيوفّر له ولعائلته حياةً كريمةً.
  • حقّ كلّ رجل أعمالٍ -كبيرٍ أوصغير- بالتجارة في جوٍ خالٍ من المنافسة غير الشريفة والسيطرة عن طريق الاحتكارات في داخل الدولة وخارجها.
  • حقّ كلّ أسرةٍ بمنزلٍ لائق.
  • الحقّ في الرعاية الصحيّة الكافية، والفرصة لتحقيق والتمتع بالصحّة الجيدة.
  • الحقّ في توفير الحماية الكافية من المخاطر الاقتصاديّة في السنّ المُتقدّم، المرض، الحوادث والبطالة.
  • الحقّ في تعليمٍ جيّد.

لاحظ أنّ هذه الحقوق مختلفةٌ جدًا عن الحقوق التي جالت في أفكار لوك، حيفرسون والآباء المؤسسين.

من مميّزات حقوق روزفلت ما يلي:

1- تنطوي هذه الحقوق على التزاماتٍ إيجابيّة من قِبَلِ الآخرين. عندما قال روزفلت أنّ الأفراد يمتلكون الحقّ “بالحصول على المال الكافي من أجل توفير طعامٍ كافٍ، لباس، وترفيه” لم يقصد أنّ للناس الحقّ في العمل الشاق -ساعاتٍ إضافيّة إذا لزم الأمر- ليكسبوا المال لشراء ما يحتاجون.

بدلًا من ذلك، قصد أنّ الأفراد الآخرين -بِما في ذلك أصحاب العمل المحتملين، المستهلكين، العمّال الآخرين، وغيرهم- عليهم التزام للتأكّد أنّ أجر كلّ عاملٍ عالٍ بما فيه الكفاية.

وبشكلٍ مشابهٍ بالنسبة لـِ “حقّ كلّ مزارعٍ في جمع منتجاته وبيعها بمقابلٍ سيوفّر له ولعائلته حياةً كريمةً”، فهو لا يقصد أنّه على المزارعين العمل في الأرض للحصول على إنتاجٍ كافٍ، بل قصد أنّه على الآخرين التزامٌ بالتأكّد من وصول دخلٍ كافٍ للمزارع. بالعموم، فإنّ حقّك “بالحصول على وظيفةٍ مجزيةٍ ومفيدة في الصناعات، أو المحلات التجارية، أو المزارع، أو المناجم التابعة للدولة” ينطوي على التزامٍ من قِبَلِ الآخرين بتوفير هذا العمل إن لم تكن قادرًا على الحصول عليه بنفسك.

ينطوي حقّك “بالحصول على منزلٍ لائقٍ” على التزام من قِبَل الآخرين بتوفير هذا المنزل إن لم تكن قادرًا على توفيره بنفسك، وهكذا.

2- إنّ الالتزامات الإيجابيّة لكلّ فرد ضبابيّة بشكلٍ ملاحظ.

خُذ بعين الاعتبار كلّ الطرق التي من الممكن أن تنتهك بها حقّ المزارع بناتجٍ لائق، مثلًا بشرائك للبقوليات بسعرٍ مخفّض، أو من منفذ الخصم بدلًا من دفع سعرٍ باهظٍ، قد تشتري منتجاتٍ بديلةً بسعرٍ أرخص -الذرة بدلًا من فول الصويا أو العكس-، قد تزرع بعض المحاصيل في فناء حديقتك بدلًا من شراءها من السوبر ماركت، قد تشتري أرضًا وتصبح أنت نفسك مزارعًا، ممّا يؤدي إلى زيادة الناتج وخفض أسعار السوق. قد تغيّر نظامك الغذائيّ ولا تشتري من المُزارع ناتجه نهائيًا.

من الواضح أنّ قائمة الطرق التي تقوم من خلالها بانتهاك حقّ المزارع لا نهائيّة، وبالمثل قائمة الأشياء التي قد تفعلها لتزيد ناتج المزارع.

شيءٌ واحدٌ مؤكّد، من خلال عبارة “حقّ” المزارع بناتجٍ لائقٍ، لا توجد طريقة تحدد التزاماتنا الإيجابيّة تجاه هذا الأمر.

3- كتطبيقٍ عمليّ، لا يوجد غير الحكومة للتأكّد من تنفيذ هذه الحقوق.

حتّى لو تمكّنت من معرفة كيف من الممكن أن تساعد أفعالك بخصوص المزارع، لن تكون بأيّ حالٍ من الأحوال حرًا في التصرّف.

من وجهة نظر روزفلت، فإنّ كلّ فرد يمتلك الحقّ في كسب ناتجٍ لائقٍ.

لذا فإنّ التصرّف بخصوص مساعدة المزارع، يمكن أن يؤذي شخصًا آخر.

عندما تشتري من A على حساب B، فإنّك تساعد موظفي A على حساب موظفي B، والعكس صحيح.

من المحتمل أن تنتهك أحد “الحقوق” التي سنّها روزفلت في كلّ عمليّةٍ تجاريّةٍ تقوم بها -كلّ عمليّة بيعٍ أو شراء-.

لذا وكتطبيقٍ عمليّ، يمكن ملاحظة حقوق روزفلت بشكلٍ جليّ إذا تنازلنا عن جزءٍ من حريّتنا لنترك بذلك القرارات الاقتصاديّة للحكومة، ومقدار السلطة التي يجب التنازل عنها سيكون هائلًا.

4- تنطوي حقوق روزفلت على قوّة حكوميّة -غير محدودة تقريبًا- فيما يتعلّق بالاقتصاد، وتنطوي الحقوق الغامضة بشكلٍ مخيفٍ على التزاماتٍ مبهمة للغاية.

باختصار، إنّ جميع حقوق روزفلت غامضةٌ للغاية.

وبالتالي، إذا كانت الحكومة تعمل بمثابة وكيلٍ لنا جميعًا، فإنّ النطاق المحتمل للتصرف سيكون هائلًا.

في الحقيقة، آمن روزفلت أنّه لا يوجد قرار اقتصاديّ -عمليّات بيعٍ أو شراء أو إنتاج- لا يمكن للحكومة أن تنظمه.

وهكذا، في إطار تنفيذ وثيقة الحقوق الثانية التي أصدرها روزفلت، يمكن في نفس الوقت القضاء على جميع الحقوق الاقتصاديّة التي يعتقد الليبراليون الكلاسيكيون أنّ الناس يمتلكونها، أيّ أنّ تنفيذ مخطط روزفلت من شأنه أن يلغي حقّ كلّ فردٍ في السعي لتحقيق سعادته الخاصة، على الأقل في السوق.

ملاحظة تاريخيّة: من الصعب المبالغة في حقيقة كون نظرة روزفلت شموليّة.

بتوصية منه، مرّر الكونغرس قانون الاسترداد الصناعيّ الوطنيّ (NIRA)، والذي حاول أن ينظّم الاقتصاد كاملًا، بالاستناد إلى النموذج الفاشيّ الإيطاليّ.

في كلّ صناعة، صدرت تعليمات للإدارة والعمال بالتواطؤ لتحديد الأسعار والأجور والإنتاج وما إلى ذلك -إذا تمّ التصرّف هكذا في هذه الأيام فسيبدو الأمر كانتهاكٍ لقانون مكافحة الاحتكار-.

وبقدر ما بدت هذه التدخّلات تعسفيّةً في الماضي وبدت كأنّها عمليّة تنظيمٍ سخيفة، فقد وجدت طريقها إلى المحكمة العليا، والتي أقرّت أنّ هذا المخطط غير دستوريّ.

كان روزفلت من بين أكثر الرؤساء الشموليين -معارضو حقوق الأفراد- الذين حظيَت بهم الولايات المتّحدة في تاريخها، وليس فقط في المجال الاقتصاديّ.

على الرغم من أنّ (أبراهام لنكولن – Abraham Lincoln) و (وودرو ويلسون – Woodrow Wilson) من قبله أوقفوا الحقوق الدستوريّة وقت الحرب، فإنّ روزفلت ذهب إلى أبعد من أيّ رئيس سبقه أو تلاه.

فبناءً على أوامره تمّ القبض على الأمريكيين اليابانيين وإجبارهم على الإقامة في معسكرات الاعتقال -دون سببٍ عدا كونهم من أصول يابانيّة- طوال فترة الحرب العالميّة الثانيّة.

مصادر الحقوق

من أين تأتي الحقوق؟ كيف يمكن الدفاع عنها؟ آمن الآباء المؤسسون أنّ الحقوق الأساسيّة والموضوعيّة تأتي من الطبيعة.

وبالتالي يأتي مصطلح “الحقوق الطبيعيّة”.

ولكنّها تعتمد على أنواعٍ أخرى من التفكير للدفاع عن الحقوق الموضوعيّة والإجرائيّة، بِما في ذلك النفعيّة، القانون العام، ونظريّة العقد الاجتماعيّ.

الطبيعة كمصدرٍ للحقوق:

الحقوق كما المطالبات الأخلاقيّة -وبالتالي- الشرعيّة، تحدّ من أفعال الحكومة والأفراد تجاه الفرد أو تلزمه بتنفيذ مطالب محدّدةٍ والتي تنشأ في التقليد الحقوقيّ الطبيعيّ في الفلسفة.

جادل الفلاسفة (هوغو غروتيوس – Hugo Grotius) (1583-1645) و(سامويل فون بوفيندورف – Samuel von Pufendorf) (1632–1694)، والأكثر شهرةً بينهم جون لوك (1632–1704) أنّ البشر يمتلكون حقوقًا أساسيّة محددة -مثل الحياة، الحريّة والملكيّة-.

أثّرت هذه الأفكار بشكلٍ واضحٍ على الآباء المؤسسين ونرى ذلك في إعلان الاستقلال ووثائق أخرى.

وبينما اعتقد منظّرون سابقون -ومن بينهم جون لوك- أنّ الله منح البشر هذه الحقوق، جميعهم جادلوا بأنّه حتّى بغياب الله، فإنّ البشر يمتلكون الحقوق ويستطيعون اكتشافها من خلال استخدام القدرة البشريّة العقليّة في اختبار القوانين الطبيعيّة للكون.

الحجة النابعة من الحقوق الطبيعيّة جذّابة عند تطبيقها على فئاتٍ واسعةٍ من الحقوق الأساسيّة والموضوعيّة، مثل الحقّ بالحياة والحريّة والممتلكات.

من السهل رؤية توافق نظريّة الحقوق الطبيعيّة مع الحقوق الموضوعيّة الموجودة في وثيقة الحقوق يشمل ذلك مجالات التعبير، الدين، الاجتماع وما إلى ذلك.

ولكن ماذا عن الحقوق الإجرائيّة؟ بحسب نظريّة الحقوق الطبيعيّة، يتمّ اختيار الحقوق الإجرائيّة أو مجموعات فرعيّةٍ من الحقوق والقيود المفروضة على الإجراءات الحكوميّة وِفقًا لمدى حمايتها للحقوق الأساسيّة التي أُنشِئت الحكومة لحمايتها.

المنفعة كمصدرٍ للحقوق:

يُستخدم خطّ فلسفيّ ثانٍ في المجادلة لتأسيس الحقوق، ويتمّ تمييزه من قِبَلِ كتّاب الدستور، وهو حجّة المنفعة.

بحسب وجهة النظر هذه، بعض الحقوق حيويّة لأنّها تخلق الظروف التي يتمّ فيها زيادة السعادة، أو الحالة العامّة للرفاهيّة، ولأنّ الأفراد هم أفضل الحكّام على احتياجاتهم، متطلباتهم، رغباتهم وقيمهم الشخصيّة فإنّه من المرجح أن يكون مجموع الرفاهيّة الاجتماعيّة الفرديّة -والتراكميّة- في أعلى مستوً عندما يكون الناس أحرارًا في اتخاذ قراراتهم الخاصة بدلًا من اتخاذ شخصٍ آخر لقراراتهم.

ولهذا، ومن أجل ضمان السعادة والرفاهيّة البشريّة، من الضروريّ إنشاء مجالٍ للاستقلاليّة الذاتيّة، حيث يكون الحكم الشخصيّ لكلّ فرد فيما يتعلق بما يريده/ تريده هو أمرٌ بالغ الأهميّة ولا يمكن التدخّل فيه بشكلٍ قانونيّ من قِبَلِ أفرادٍ آخرين أو من قِبَلِ الحكومات، حتّى إن كان هذا من أجل مصلحة ذلك الشخص.

ميّز المنظّرون منذ أيام لوك وقبله أنّ هناك حجّةً نفعيّةً للحقوق.

على سبيل المثال، في المحاججة حول حقوق الملكيّة، لاحظ لوك أنّ الجهود التي يبذلونها الأفراد -لتحسين ممتلكاتهم عند السماح لهم بإزالة الممتلكات من المشاعات وجعلها خاصّة بهم- ستعود بالفائدة على المجتمع ككل.

القانون العام كمصدرٍ للحقوق:

المصدر الثالث للحقوق هو القانون العام، وهو يرتبط بقوّة بوجهة النظر الخاصّة بالحقوق الطبيعيّة، كما أنّه معروف ومُلاحظ من قبل المؤسسين.

بشكلٍ عام، يمكن تقسيم القانون إلى مجموعتين واسعتين:

القانون العام والقانون الخاص أو الشائع.

القانون العام هو الذي أنشأته هيئات تشريعيّة ويتضمن قوانين تستند إلى قيود دستوريّة، أمّا القانون الخاص -بالمقابل- تطوّر تاريخيًا نتيجةً لأحكام المحاكم أو القرارات القضائيّة في مجالات الملكيّة، والعقد، وقانون الضرر.

“القانون الشائع” هو شعار يُستخدم لوصف العمليّة القانونيّة القديمة لاكتشاف القانون وتحديده لكلّ حالةٍ على حدة.

تاريخيًا، لا يرى قضاة القانون الشائع أنفسهم كمُنشئين للقانون بقدرِ ما يرَوْن أنّهم مكتشفين له.

يشتركون بعقيدة الحقوق الطبيعيّة حيث “هناك قواعد سلوكٍ طبيعيّة متأصّلة في الإنسانيّة نفسها، والتي اكتُشِفَت بسهولةٍ عن طريق تطوّر عادات التعامل”.

كانت مهمّة قاضي القانون الشائع هي النظر إلى العُرف في محاولةٍ لتمييز القانون الموجود بالفعل، ومن ثمّ إصدار أحكام مبنيّة عليه. ومع مرور الوقت تطوّرت الفكرة إلى وجوب محاكمة الحالات المتماثلة بطريقةٍ مماثلة، بالإضافة إلى ولادة مفهوم احترام السوابق القانونيّة.

حتّى القسم الأخير من القرن التاسع عشر، استخدم الأفراد ثلاثة أقسامٍ للقانون العام -على سبيل المثال، قانون التعدي على ممتلكات الغير، قانون الضرر وقانون الضرائب- لصنع تأثيرٍ جيّد.

من السهل معرفة سبب دعم مؤلفي الدستور للقانون الشائع، كما يرتبط تطوّره ارتباطًا وثيقًا بالاعتراف بالحقوق التي يعتزّون بها، حيث يرتبط القانون الشائع بالتحليل الليبراليّ الكلاسيكيّ للحقوق الطبيعيّة بالحياة، الحريّة والملكيّة.

لاحظ أنّه وعلى الرغم من أنّ نهج القانون الشائع والنهج النفعيّ يبدآن من أماكن مختلفة للغاية فيما يتعلّق بحقوق الأفراد، فإنّ منظّرون -مثل (ريتشارد بوزنر – Richard Posner)، (جودمان -Goodman) و(روبن – Rubin)- يحاججون أنّ النهجين يصلان في النهاية لنفس الاستنتاج.

العقد الاجتماعيّ كمصدرٍ للحقوق:

عند كتابة الدستور، كان مؤلفوه واعين ومتأثرين جدًا بنظريّة العقد الاجتماعيّ وعلاقتها بالحقوق الفرديّة.

حاجج الفيلسوف توماس هوبز أنّ الحكومة الشرعيّة تتأسس بعقٍد اجتماعيّ بين الأفراد -الذين يعِدون بطاعة السيادة- والسيادة -والتي تُعدّ بدورها -مقابل طاعتهم- بحمايتهم من الجريمة والاعتداء الخارجيّ-.

وقد فسّر لوك -الذي كان لآرائه تأثير مباشر أكبر على المؤسسين- العقد على أنّه بين أفراد المجتمع الذين يتعهدون بالتخلي عن بعض الحريّات التي يمكنهم ممارستها بحقّ في الحالة الطبيعيّة، مقابل الأمن الذي توفّره الحكومة الموضوعة بموجب العقد.

جادل كل من هوبز ولوك في نطاقٍ ضيّقٍ للغاية، أنّ بعض المواطنين يحتفظون بحقوقٍ معيّنة، وإن كان ذلك ضدّ عمل الحكومة.

وبمجرّد إبرام العقد وإنشاء الحكومة، فمن المتوقع وضع بعض الحقوق الإجرائيّة والإجراءات -حقوق مشتقّة- لحماية حقوق الأفراد الأساسيّة من الانتهاك -سواء من قِبَلِ طرفٍ ثالث أو من قِبَلِ الحكومة نفسها-.

الفكرة الأساسيّة من نظريّة العقد الاجتماعيّ هي أنّ الحكومة تكتسب شرعيّتها من موافقة الأفراد الذين تحكمهم -الأفراد الذين يمتلكون الحقّ في تشكيل اتفاقٍ سياسيّ-.

يُنشَئ الاتفاق نفسه التزاماتٍ وسلطاتٍ لكلّ من الحكّام والمحكومين، لكن بالمقابل لم تنشأ أيّ حكومة على الإطلاق عن عقد اجتماعيّ فعليّ، فقد تمّ تطوير نظريّة العقد الاجتماعيّ كطريقةٍ لتبرير طاعة الحكومة من قبل المحكومين، وذلك بواسطة وضع حدودٍ تبريريّة للحكومة.

وِفقًا لوجهة النظر هذه، تكون الحكومات مبررةً عندما تحمي الحقوق، وغير مبررةً عندما تفشل في حماية الأفراد بشكلٍ دائمٍ من أفراد آخرين ينتهكون حقوقهم الأساسيّة، أو عند تجاوز الحكومة نفسها لسلطتها الشرعيّة، أو عندما تبدأ بانتهاك الحقوق الفرديّة.

في الآونة الأخيرة، أنعش (جون راولز – John Rawls) -من بين الفلاسفة الآخرين- نظريّة العقد الاجتماعيّ.

بدلًا من النظر إلى الحقوق كهدايا من الحكومة أو من الله، أو اعتمادها على المنفعة أو على المبادئ التي يمكن تفسيرها بتطبيق المنطق على دراسة القانون الطبيعيّ، جادل راولز في عقدٍ اجتماعيّ كأساسٍ للحقوق.

هذا ليس عقدًا فعليًا يوقّعه الناس.

بدلاً من ذلك، يُعتبَر العقد الاجتماعيّ بمثابة اتفاقٍ افتراضيّ يوافق عليه الناس العقلاء في ما إذا كانوا يعلمون أنّهم سيضطرون إلى العيش بموجب هذا الاتفاق، لكنّهم لا يعرفون ماذا ستكون مواقفهم الفرديّة.

في الحياة الواقعيّة، لدى كلّ منّا الموجودات والمطلوبات، يشمل ذلك الذكاء والقوّة، والصحّة، والدخل، والثروة، والعلاقات الأسريّة، وما إلى ذلك.

وبهذه المعرفة، يميل كلّ واحدٍ منّا لاختيار المؤسسات الاجتماعيّة التي تهمه، لكنّ راولز يطلب منّا أن نتخيّل أنّنا نقف وراء “حجابٍ من الجهل”، أيّ أنّنا نعرف أنّنا سنولد في عالمٍ وسنكون أحد ساكنيه، لكنّنا -بالمقابل- لا نعرف في أيّ واحدٍ من هذه العوالم سنعيش، لذا علينا اختيار المؤسسات التي تضعنا في “موقفٍ أعمى” ، دون معرفتنا أيّ شخصٍ سنكون عليه.

كما جادل راولز وغيره بأنّه في موقفٍ حقيقيّ -وفي غياب التحيّزات أو الأحكام المُسبقة- يستنتج العقلانيون أنّ المؤسسات السياسيّة الأساسيّة موجودة فقط في حال امتلك كلّ شخصٍ حقًا متساويًا في الحريّة الأساسيّة الأكثر اتساعًا والتي تتوافق مع الحريّة المتماثلة للجميع.

وفي ضوء ذلك، فإنّ وضع العقد الاجتماعيّ هو عبارة طريقةٍ مختلفة للتفكير في الأفراد الذين يمتلكون حقوقًا أساسيّةً في الحياة والحريّة – وذلك مع القدرة على الاستيعاب.


  • ترجمة: مازن سفّان
  • تدقيق: آية فحماوي
  • تحرير: مازن سفّان
  • المصدر