تمت إزالة ثلث الجزء الأيمن للمخ لدى هذا الطفل، بما في ذلك الجزء الدماغي الخاص بالبصر.

لكن وفقًا لتقرير جديد عن الحالة، فإن الجانب الأيسر من دماغه بدأ في القيام بالوظائف البصرية التي كان يقوم بها الجزء المفقود من الجانب الأيمن.

ولكن دعنا نعود للوراء، عانى الطفل من أول تشنج وهو بعمر الرابعة، ازدادت التشنجات سوءًا، وعندما فشلت الأدوية في العلاج، قاموا باستئصال جزء من المخ جراحيًا.

أثناء الجراحة -والتي كان الطفل بعمر السابعة في وقتها- أزال الأطباء ثلث الجزء الأيمن من الفص القذالي (مركز الإبصار في المخ) ومعظم الجزء الأيمن من الفص الصدغي(مركز معالجة الصوت في المخ).

تصوير ثلاثي الأبعاد للمخ

الطفل الآن يبلغ من العمر 11 عامًا، لم يعد يعاني من أي تشنجات، ولكنه لا يستطيع أن يرى الجزء الأيسر من العالم.

فقدان البصر

ما بين اللحظة التي يضرب فيها النور أعيننا والوقت الذي نرى فيه صورة للعالم، فإن الدماغ يقوم بالكثير من العمل.

كلا جانبي الدماغ ينظم عملية الرؤية ولكن الجزء الأيسر مسؤول عن رؤية الجانب الأيمن، والعكس صحيح.

عندما ننظر للأمام مباشرة فإن الدماغ يقوم بتنسيق المعلومات البصرية من كلا الجانبين معًا في صورة موحدة.

تقول أستاذ السيكولوجيا مارلين بيرمان: «وأما الطفل المصاب هنا –بدون الجزء الأيمن من الفص القذالي- يحتاج إلى أن يحرك عينيه ورأسه ليحصل على معلومات بصرية من الجانب الأيسر من عالمه لينقلها إلى الجزء المتبقي من مركز الإبصار في دماغه.

تخيل التقاط صورة بانورامية وتحريك الكاميرا لالتقاط المشهد بأكمله، هذا ما يحتاج أن يفعله الطفل المصاب.

ولكن لا يوجد أي شيء خطأ في عينيه، فهو لا يزال يستطيع “الرؤية”، بمعنى أن عينيه تلتقط المعلومات البصرية من الجزء الأيسر من عالمه، ولكن لأن الجزء الأيمن من دماغه يفتقد إلى مركز الإبصار فلا يوجد مكان تذهب إليه هذه المعلومات فتضيع.

أنا أتوقع أنه غير واعٍ لفقدان تلك المعلومات، الأمر أشبه بأن كلنا لدينا بقعة عمياء ولكننا لسنا على دراية بها».

تتعجب بيرمان وفريق العمل الخاص بها من الكيفية التي يرى ويعالج بها هذا الطفل عالمه في ظل غياب جزء كبير من مركز معالجة الإبصار الخاص به.

لذلك، في السنوات الثلاث التي تلت الجراحة، قام الفريق بإجراء اختبارات سلوكية والتقاط صور لدماغ الطفل المصاب باستخدام جهاز التصوير بالرنين المغناطيسي.

الاختبارات السلوكية اشتملت سؤال الطفل لإيجاد أشياء معينة في صور مبعثرة وتحديد ما إذا كان باستطاعته أن يتعرف على التغيرات الطفيفة بين الصور.

إلى جانب عدم قدرة الطفل على رؤية الجانب الأيسر من عالمه، فإن الفريق وجد أنه يستطيع الإدراك ومعالجة البصر مثل أقرانه من نفس العمر.

ظلت قدرته على التعرف على الأشياء والمشاهد كما هي بعد إجراء الجراحة، وكما هي عند أقرانه من نفس عمره.

تقول بيرمان: «تنضج بعض المناطق في نظام الرؤية فى الدماغ مبكرًا وتظل ثابتة بمرور الوقت».

كلا جانبي دماغه لديه القدرة أن يتعرف على الأشياء والمشاهد، والجزء الأيسر يستمر في القيام بعمله حتى في غياب الجزء الأيمن.

ما هو أكثر من ذلك، ظلت مهارته في القراءة أعلى من أقرانه قبل وبعد إجراء الجراحة.

هل سيتحد عمل الكلمات والوجوه جنبًا إلى جنب أم سيحارب كل منهما الآخر لجذب الانتباه له؟

بالرغم من أن كلا جانبي الدماغ يعالجان معظم مهام الرؤية إلا أنه ما يزال لدى الجزء الأيسر والجزء الأيمن من الدماغ وظائف بصرية مختلفة، فهم مختلفان اختلافًا بسيطًا كما قالت بيرمان.

فبينما الجزء الأيمن يقوم بالتعرف على الوجوه، الجزء الأيسر مسؤول عن معالجة الكلمات أو القراءة.

تقول بيرمان«اتضح أنه في غياب المركز الأيمن لمعالجة الرؤية، فإن الجزء الأيسر يتدخل، الجزء الأيسر لدماغ الطفل المصاب بدأ في التعرف على الوجوه كما كان يفعل الجزء الأيمن بدون أن تتأثر قدرته على معالجة الكلمات.

فبدأت كلا الوظيفتين في الظهور جنبًا إلى جنب في الجزء الأيسر للدماغ كما اتضح في صور الرنين المغناطيسي».

هناك أيضًا مثال آخر مدهش على مرونة الدماغ أو كيفية تأقلمه، تبدأ الخلايا العصبية أو خلايا الدماغ في تشكيل روابط جديدة في الدماغ وبذلك تأخذ مهام جديدة.

ولكن حجم الدماغ لا يتغير، إذن كيف يستطيع نفس الحجم من الدماغ أن يأخذ مهامّ جديدة دون أن يتنازل عن بعض من قدراته على معالجة الكلمات؟

تقول بيرمان« ليتني أستطيع الإجابة على المستوى الخلوي، ما يحدث غير واضح تمامًا، ولكن الخلايا العصبية تتفاعل مع الخلايا العصبية المجاورة لها بطرق جديدة فتستطيع تكوين روابط جديدة».

«يظل أيضًا غير واضح ما إذا كان صغر عمر الطفل المصاب يمكن أن يؤثر على مدى مرونة الدماغ.

إنه من المؤكد أن دماغ الطفل لديه قدرة أكبر على التغيير أكثر من دماغ الشخص البالغ. لذلك إذا استطاع الباحثون إجراء نفس الجراحة لشخص بالغ، فإن النتائج من المحتمل أن تكون مختلفة» تقول بيرمان.

حالة هذا الطفل المصاب ليست الحالة الأولى التي تعطي علماء الأعصاب لمحة عن ما يحدث إذا فُقِدت أجزاء من الدماغ.

ربما يكون أشهر مريض بهذه الحالة هو هنري مولايسون الذي فقد ذاكرته بعد إجراء جراحة لاستئصال فص من الدماغ.

وفي الخمسة عقود التالية للجراحة، أمد هنري علماء الأعصاب برؤية غير مسبوقة عن كيفية عمل الذاكرة في الدماغ، حتى أنه قد يرى البعض أنه ساهم في تعريف علم الأعصاب الحديث.


  • ترجمة: مينا أبانوب
  • تدقيق: أحلام مرشد
  • تحرير: تسنيم المنجّد
  • المصدر