القانون الثاني للديناميكا الحرارية هو القانون الأول في علم النفس


القانون الثاني للديناميكا الحرارية _في نظام معزول خال من الطاقة_ ينص على أن الإنتروبيا (التحريك أو التحول الحراري) لا تتناقص أبدًا. أما القانون الأول فهو قانون حفظ الطاقة؛ بمعنى أن الطاقة لا تفنى ولا تُستحدث من عدم، لكن تتحول من شكل إلى آخر. بينما ينص القانون الثالث على عدم إمكانية الوصول بدرجة الحرارة إلى الصفر المطلق. تصبح الأنظمة المغلقة أقل تنظيمًا وأقل قدرة على إنجاز ما يمكن اعتباره مفيدًا ومثيرًا للاهتمام، حتى تنزلق هذه الأنظمة إلى رتابة مملة تبقى ملازمة لها. تشير الصيغة الأصلية للقانون الثاني إلى العملية التي تتبدد فيها الطاقة عند التقاء جسمين مختلفين في درجة حرارتهما، فتنتقل الحرارة من الجسم الأسخن إلى الجسم الأبرد.

أخذ القانون الثاني للديناميكا شكلًا إحصائيًا وشموليًا أكثر، عندما أصبحت حقيقة أن الحرارة ليست سائلًا غير مرئي، بل نتاج حركة جزيئات الذرة، محل تقدير. عندها أصبح من الممكن دراسة جميع الحالات المميزة للنظام بدقة، إلا أن من بين أغلب الاحتمالات الغير مجدية، شكّل ما هو مفيد شريحة ضئيلة جدًا من الاحتمالات.

وفقًا لقوانين الاحتمالات، يترتب على أي اضطراب في النظام، سواءً كان بسبب اهتزازات من داخل النظام او من خارجه، إحداث حالة من الفوضى وعدم الجدوى. إذا تركت خلفك اليوم قلعة رملية، فإنك لن تجدها غدًا، لأنها ستتدمر بفعل الرياح والأمواج والنوارس والأطفال الصغار الذين ينثرون الرمال في كل مكان، إلا أن احتمالية تكوينهم لشكل يشبه القلعة هي احتمالية ضئيلة جدًا من ضمن احتمالات لا تعد ولا تحصى.

ينعكس القانون الثاني للديناميكيا الحرارية في حياتنا اليومية من خلال بعض الأمثال السائدة، كقولنا، من التراب إلى التراب، لا شيء يبقى على حاله، لكل شيء نهاية، ما يبدأ بطريقة خاطئة ينتهي بذات الطريقة، لا تحتاج لأكثر من شخص غبي لهدم بناء، لكنك بحاجة إلى مختص لإعادة بنائه. وغيرها من الأمثال.
يدرك العلماء أن القانون الثاني اكثر من مجرد تفسير لمظاهر الحياة اليومية، وأنه أساس فهمنا للكون ومكاننا فيه. كتب الفيزيائي (آرثر ادينغتون) عام 1915: »باعتقادي، يحتل القانون الذي تزيد فيه الإنتروبيا (التحريك والتحول الحراري) المكانة العليا بين قوانين الطبيعة. فإذا أشار شخص إلى أن نظرية الكون المفضلة لديك تتعارض مع معادلات ماكسويل، فإن أسوأ ما يمكن أن يحدث لمعادلات ماكسويل هو نقضها عبر المراقبة، فالأخطاء من الممكن أن ترتكب من الباحثين في بعض الأحيان. لكن اذا كانت نظريتك ضد القانون الثاني للديناميكا الحرارية فلا يمكنني أن أعطيك أي أمل لنقضها، ولن يكون لنظريتك إلا أن تغرق في ذل عميق«.

في محاضرته الشهيرة عام 1959 (الثقافتان والثورة العلمية)، علق العالم والروائي (سي بي سنو) على ازدراء العلم بين البريطانيين المتعلمين في ذلك الوقت بقوله: »في عدة مناسبات، كنت حاضرًا في تجمعات لأشخاص يُعتبرون مثقفين بدرجة عالية _وِفقًا لمعايير الثقافة التقليدية_ ويميلون بشكل كبير إلى التعبير عن شكوكهم بأمية العلماء. في موقف أو اثنين حاولت كنت مستفزًا وحاولت أن أعرف كم شخصًا منهم يمكنه وصف القانون الثاني للديناميكا الحرارية، فجاء التفاعل باردًا والردود سلبية، وسألتهم سؤالًا آخر يكافئه علميًا، هل قرأتم شيئًا من أعمال شكسبير؟«.

عنون علماء النفس التطوري (جون توبي)، (ليدا كوزميدس) و(كلارك باريت) بحثهم الأخير في أساسات علم العقل، بعنوان (القانون الثاني في الديناميكا الحرارية هو القانون الأول في علم النفس)
لماذا هذا الارتياب من القانون الثاني؟ يوضح القانون الثاني الغاية من الحياة والعقل والكفاح البشري لنشر الطاقة والمعلومات ردًا على موجة الإنتروبيا أو التحريك الحراري وانتقاء ملاجئ من النظام المنفعي. إن الفشل في استيعاب الميل الفطري نحو الفوضى وعدم تقدير النظام الذي انتقيناه لأنفسنا، مصادر رئيسية لحماقة الانسان.

يشير القانون الثاني _ضمنيًا_ إلى أن سوء الحظ ليس بالضرورة أن يكون خطئًا يتحمل مسؤوليته أحد. الاكتشاف المفاجئ الأكبر للثورة العلمية كان دحض النظرية البديهية التي تنص على أن كل ما يحصل في الكون إنما يحصل لغاية وهدف. عندما تطرأ الظروف السيئة، كالحوادث والأمراض والمجاعات، فإنه _في ظل هذا الفهم البدائي_ لا بد من وجود شخص ما _أو شيء ما_ تسببت إرادته بحدثوها. الأمر الذي يدفع الناس للعثور على مدّع عليه سواءً كان شيطانًا، ساحرة، أم كبش فداء لمعاقبته.

استبدل غاليلو ونيوتن هذه الصورة السائدة بـصورة كون تحصل فيه الأحداث بسبب الظروف التي تحكم الحاضر، لا لأهداف في المستقبل. يُعزز القانون الثاني هذا الاكتشاف، فليست الفكرة أن هذا العالم لا يهتم لرغباتنا فحسب، بل إن المسار الطبيعي للأحداث سيطغى ليحاول إحباطها، لأن احتمالية أن تجري الأمور بشكل سيء أكبر بكثير من احتمالية أن تجري بشكل جيد، بيوت تحترق بالكامل، سفن تغرق ومعارك تخسر، فالحوادث تحصل لأتفه الأسباب.
الفقر أيضًا لا يحتاج لأي تفسير في عالم يحكمه الإنتروبيا والتطور، فهذه هي الطبيعة الفطرية البشرية. المادة لا تُنظّم نفسها لتصبح مأوًى وثيابًا لنا، بينما تعمل العناصر الحية كل ما تستطيع القيام به لتصبح طعامًا. مع أن أغلب النقاشات تصر على الجدال حول من تقع على عاتقه مسؤولية الفقر، إلا أن الثراء هو الحالة التي تحتاج إلى تفسير.

بشكل أعم، عدم أخذ هذا القانون بعين الاعتبار يدفع الناس للاعتقاد ان كل مشكلة اجتماعية شائكة هي علامة على أن بلادهم تسير الى الهاوية. المشاكل كجزء من الحياة هي من طبيعة الكون المتأصلة، لكن من الأفضل التركيز على محاولة حل هذه المشاكل _عن طريق بذل الجهد والمعرفة، بدلًا من إشعال الحروب_ والأمل في مستقبل أفضل.


إعداد: آلاء أبو شحّوت

المصدر