لطالما شك علماء الفيزياء في أن اللبنات الأساسية للبروتونات تتعرض لتشابك كمي. الآن، توصل الباحثون إلى أول دليل مباشر على ذلك، بعد استخدام خدعة لاستنتاج إنتروبيا الجسيمات دون الذرية.

نظر العلماء داخل البروتونات، واكتشفوا أن الكواركات والجلوونات -اللبنات الأساسية التي تتكون منها البروتونات- تتعرض للتشابك الكمي. إن الجسيمات المتشابكة متصلة ببعضها، بحيث إن أي تغير يحدث في أحدها يسبب حدوث تغير في الأخرى فورًا، وإن كانت المسافة بينهما شاسعة. رفض ألبرت أينشتاين هذه الفكرة ووصفها بأنها «فعل شبحي»، لكن التجارب اللاحقة أثبتت أن التأثير الغريب الذي يؤثر من بُعد حقيقي. لاحظ الفيزيائيون التشابك بين الكواركات من قبل، لكنهم لم يجدوا قط دليلًا على وجودها في حالة متصلة كميًا داخل البروتونات.

اكتشف فريق من الباحثين التشابك بين الكواركات والجلوونات داخل البروتونات على مسافة كوادريليون من المتر، ما يسمح للجسيمات بمشاركة المعلومات عبر البروتون.

قال تشودونمينج تو، المؤلف المشارك في الدراسة: «لعقود من الزمن، كانت لدينا وجهة نظر تقليدية للبروتون بوصفه مجموعة من الكواركات والجلوونات، وركزنا على فهم ما يُسمى خصائص الجسيم المفرد، يشمل ذلك كيفية توزيع الكواركات والجلوونات داخل البروتون. تغيرت هذه الصورة مع وجود دليل على تشابك الكواركات والجلوونات، فلدينا نظام أكثر تعقيدًا وديناميكية».

تأثير شبحي على نطاق صغير:

ظهرت الأدلة التجريبية على التشابك الكمي لأول مرة في سبعينيات القرن العشرين، لكن العديد من جوانب الظاهرة ما زالت غير مستكشفة نسبيًا، يشمل ذلك التفاعلات المتشابكة بين الكواركات. يرجع هذا أساسًا إلى أن الجسيمات دون الذرية لا توجد بمفردها، بل تندمج في مجموعات جسيمية مختلفة تُعرف باسم الهادرونات، مثلًا الباريونات -مثل البروتونات والنيوترونات- هي مجموعات من ثلاثة كواركات مترابطة بإحكام بواسطة جلوونات تحمل قوة قوية.

عند فصل الكواركات الفردية من الهادرونات، فإن الطاقة المُستخدمَة لاستخراجها تجعلها غير مستقرة، وتحولها إلى نفاثات متفرعة من الجسيمات في عملية تُسمى «الهدرنة». هذا يجعل مهمة غربلة تريليونات من نواتج تحلل الجسيمات لإعادة بناء حالتها الأصلية صعبة بدرجة لا تُصدق.

هذا بالضبط ما فعله الباحثون، إذ استخرج العلماء البيانات التي جُمعت بواسطة تجارب تصادم الجسيمات في مصادم الهدرونات الكبير (LHC) ومسرع حلقات الهادرون والإلكترون (HERA) لاستكشاف السلوك الداخلي للبروتونات.

طبق الباحثون أحد مبادئ علم المعلومات الكمومية، يقول إن إنتروبيا النظام «مقياس لعدد حالات الطاقة التي يمكن ترتيب النظام فيها، التي تُسمى خطأً (الفوضى)» تزداد مع تشابكه، ما يسبب ظهور توزيع الجسيمات بشكل أكثر فوضوية. اكتشف الفيزيائيون أن الكواركات والجلوونات داخل البروتونات المتصادمة كانت موجودة في حالة تشابك قصوى، بمقارنة رذاذ الجسيمات بحسابات إنتروبيتها، إذ يتقاسم كل منها أكبر قدر ممكن من المعلومات.

«عادةً ما ترتبط الإنتروبيا بعدم اليقين بشأن بعض المعلومات، في حين يؤدي التشابك إلى «مشاركة» المعلومات بين الطرفين المتشابكين. لذا يمكن ربط هذين الأمرين في ميكانيكا الكم. نحن نستخدم الإنتروبيا المتوقعة -مع افتراض التشابك- للتحقق مما تقوله البيانات، وقد وجدنا توافقًا كبيرًا».

يقول العلماء إن اكتشافهم قد يساعد على اكتساب المزيد من المعرفة حول الجسيمات الأساسية، مثل كيفية بقاء الكواركات والجلوونات المحصورة داخل البروتونات. أثار البحث المزيد من الأسئلة حول كيفية تغيُّر التشابك عند حبس البروتونات داخل النوى الذرية.

«نظرًا إلى أن النوى مكونة من بروتونات ونيوترونات، فمن الطبيعي أن نسأل ماذا سيفعل التشابك ببنية النوى. نخطط لاستخدام مصادم الإلكترونات والأيونات (EIC) لدراسة ذلك، وسيتحقق الأمر في غضون 10 سنوات. قد تنجح بعض أنواع التصادم قبل ذلك، التي تُسمى التصادمات الطرفية الفائقة في تصادمات الأيونات الثقيلة».

اقرأ أيضًا:

قفزة كمية في الحوسبة بعد إعلان جوجل عن تحقيق التفوق الكمي

كِبار علماء الولايات المتحدة يُحذّرون: نحتاج الآن للاستعداد لهجمات الكوانتم

ترجمة: محمد الشرقاوي

تدقيق: أكرم محيي الدين

مراجعة: لبنى حمزة

المصدر