الماء هو جوهر الحياة، فكل كائن حي على الأرض يحتوي على الماء في داخله، وتُعد الأرض غنيةً بالحياة لأنها غنية بالمياه.
يرجع الارتباط الأساسي بين الماء والحياة جزئيًا إلى الخصائص غير العادية للماء، وإلى كونه أحد أكثر الجزيئات وفرة في الكون.
يتكون الماء من ذرة أكسجين وذرتين من الهيدروجين، وهي بنية بسيطة لكنها قوية. يأتي الهيدروجين من نيران الانفجار العظيم البدائية، وهو العنصر الأكثر شيوعًا في الكون. أما الأكسجين، فيتكون في نوى النجوم الضخمة جنبًا إلى جنب مع الكربون والنيتروجين، كجزء من دورة اندماج CNO.
بسبب هذا الأصل، ظن العلماء عمومًا أن نسبة الأكسجين والماء ازداد وفرةً بمرور الوقت، فمنذ تشكّل النجوم الأولى وحتى يومنا هذا، نثرت الأجيال المتعاقبة من النجوم الأكسجين في الفضاء في لحظاتها الأخيرة. لذلك، كان الماء نادرًا في الكون المبكر وأصبح شائعًا نسبيًا اليوم.
يصنف علماء الفلك النجوم إلى مجموعات وفقًا لعمرها وتركيبها المعدني، وتشير (المعادن) في هذا السياق إلى أي عنصر أثقل من الهيدروجين والهيليوم.
تُعرف النجوم الأحدث والأغنى بالمعادن مثل الشمس باسم نجوم «المجموعة الأولى»، وتُعرف النجوم الأقدم، التي تحتوي على نسبة أقل من المعادن باسم «المجموعة الثانية»، وأخيرًا أقدم النجوم على الإطلاق وهي النجوم الأولى التي ظهرت في الكون، تُعرف باسم «نجوم المجموعة الثالثة».
مع أنه لم تُرصد نجوم المجموعة الثالثة مباشرةً، إلا أنها كانت على الأرجح نجومًا هائلة مكونة بالكامل من الهيدروجين والهيليوم. تكونت داخل هذه النجوم الأولى البذور الأولى لكل ما نراه اليوم من المحيطات والأشجار إلى الكائنات الحية.
تشير دراسة حديثة نُشرت على منصة arXiv إلى أن نجوم المجموعة الثالثة قد أغرقت الكون بالمياه أيضًا.
في هذه الدراسة، أجرى الباحثون محاكاة لانفجارات النجوم الصغيرة (بكتلة تبلغ 13 ضعف كتلة الشمس) والنجوم الضخمة (بكتلة تبلغ 200 ضعف كتلة الشمس). كانت النجوم الضخمة هي أولى النجوم التي تكونت من السحب الأولية، والنجوم الأصغر كانت من أوائل النجوم التي تشكلت في البيئات التكوينية النجمية المبكرة. لم تكن هذه النجوم من المجموعة الثالثة بالكامل، لكنها كانت ذات محتوى معدني منخفض جدًا.
عندما ماتت النجوم الأصغر، انفجرت كمستعر أعظم نموذجي. أما النجوم الضخمة، فقد انتهت حياتها بانفجارات مستعر أعظم لامع غير مستقر.
وفقًا للمحاكاة، أغرقت هذه النجوم بيئتها بالمياه، فقد احتوت السحب الجزيئية المتكوّنة من بقايا هذه النجوم على كميات من الماء تفوق بنحو 10 إلى 30 ضعفًا تلك الموجودة في السحب الجزيئية المنتشرة التي نراها اليوم في مجرة درب التبانة.
بناءً على هذه النتائج، يزعم الباحثون أنه بعد 100 إلى 200 مليون سنة من الانفجار العظيم، كانت هناك وفرة كافية من الماء والعناصر الأخرى في السحب الجزيئية لتوفير بيئة مناسبة لنشوء الحياة.
لكن السؤال الذي لم يُحسم بعد هو إذا كانت الحياة قد ظهرت بالفعل في الكون في هذا الوقت المبكر، فرغم تكون الماء في وقت مبكر، إلا أن عمليات التأين والظواهر الفيزيائية الفلكية الأخرى دمرت العديد من جزيئاته.
قد يكون الماء وفيرًا في البداية، لكن ربما مر الكون بفترة جفاف قبل أن تعيد نجوم المجموعتين الأولى والثانية تشكيل المستويات التي نراها اليوم. مع ذلك، من المرجح أن معظم المياه المحيطة بنا اليوم قد جاءت في الأصل من النجوم الأولى.
اقرأ أيضًا:
خطر يحدق بكوكبنا، مياه الأرض تفقد الأكسجين
كيف تشكلت المياه على سطح الأرض؟ اكتشاف جديد نجح في رسم خريطة لذلك
ترجمة: لور عماد خليل
تدقيق: يامن صالح
مراجعة: ميرڤت الضاهر