لا تزال الثقوب السوداء المحجوبة بالغيوم والغبار تشع موجات تحت حمراء، ممكنةً الفلكيين من رصدها للمرة الأولى على الإطلاق.

اكتشف فلكيون مئات من الثقوب السوداء فائقة الكتلة المتوارية في الكون، وربما يوجد مليارات وحتى تريليونات أكثر لم نكتشفها بعد. حدد الباحثون هذه الثقوب السوداء العملاقة عبر النظر في الأشعة تحت الحمراء داخل سحب من الغبار والغاز، وهذا من قد يساعد الفلكيين في تنقيح نظرياتهم عن كيفية تطور المجرات، كما قال الباحثون.

استكشاف في العتمة

إن البحث عن الثقوب السوداء عمل صعب، فهي أكثر الأجسام قتامة في الكون، وحتى الضوء لا يمكنه الفرار من جاذبيتها. يتمكن العلماء أحياناً من (رؤية) الثقوب السوداء عندما تلتهم المادة المحيطة بها، فتتسارع المادة المحيطة بسرعة عالية حتى تبدأ بالتوهج، ولكن ليس لكل الثقوب السوداء حلقة مرئية ساطعة، لذلك فإن إيجادها يتطلب إبداعًا أكثر.

يعتقد الفلكيون بأنه يوجد مليارات وربما تريليونات من الثقوب السوداء فائقة الكتلة في الكون، كتلتها على أقل تقدير 100 ألف مرة كتلة الشمس، يكمن إحداها في مركز كل مجرة كبيرة، ولكن من المستحيل على العلماء إحصاء كل ثقب أسود فائق الكتلة. بدلًت من ذلك، يلجؤون لعمل مسح للمجرات القريبة ليقدروا عدد هذه الثقوب السوداء التي تتوارى في ركننا من الكون.

توجد مشكلة واحدة فقط، إذ إن بعض الثقوب السوداء واضحة للعيان بفضل الهالة الساطعة من المادة المحيطة بها، البعض الآخر يمر تحت الرادار دون رصد.
قد يحدث هذا لأنها تتوارى خلف سحب من الغاز والغبار التي لم تتسارع بالقدر الكافي لتتوهج، أو لأننا ننظر إليها من زاوية خاطئة. طبقاً لورقة بحثية نشرت في 30 ديسمبر 2024، تقدر أنه في حدود 35% من الثقوب السوداء فائقة الكتلة مختبئة بهذه الطريقة، هذه زيادة مهولة عن النسبة السابقة التي كانت 15 %، مع ذلك يظن مؤلفو الورقة أن العدد الحقيقي قد يكون قريباً من 50% .

التحديق داخل السحب

مع إيجاد الفلكيين طرقًا لتحديد موقعها، ما تزال السحب المحيطة بالثقوب السوداء المتوارية تبعث بعض الضوء، وهو أشعة تحت حمراء فقط عوضًا عن الطيف المرئي، ففي الدراسة الجديدة استخدم الباحثون بيانات من أداتين مختلفتين لرصد هذه الانبعاثات تحت الحمراء. كانت الأولى قمر ناسا الاصطناعي الفلكي بالأشعة تحت الحمراء إراس، الذي عمل عشرة أشهر فقط في 1983، وكان أول تليسكوب فضائي يستكشف نطاق الأشعة تحت الحمراء، وكانت الثانية مجموعة تليسكوبات الأطياف النووية نوستار، وهو تليسكوب فضائي يديره معمل ناسا للدفع النفاث في باسادينا، ويستطيع رصد الأشعة السينية عالية الطاقة المنبعثة من المواد فائقة الحرارة التي تدور حول الثقوب السوداء.

حدد الباحثون باستخدام البيانات المؤرشفة من إراس المئات من الثقوب السوداء المحتملة المختبئة، ثم استخدموا تليسكوب أرضي يعمل بالضوء المرئي ونوستار لاستبعاد بعض المرشحين وتأكيد البعض الآخر، اتضح أن بعضها كانت مجرات في طور تكوين الكثير من النجوم ولكن الكثير كانت ثقوبًا سوداء متوارية.

صرح بيتر بورمان، المؤلف المشارك بالدراسة وفيزيائي فلكي في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا: «يدهشني كم كان إراس ونوستار مفيدين لهذا المشروع خاصة كون إراس عاملًا منذ أكثر من أربعين عامًا».

قد يُساعد هذا الأسلوب الفلكيين على تحديد مدى شيوع الثقوب السوداء فائقة الكتلة في الكون، وما هو الدور الذي تلعبه في تكوين المجرات، هذه الخروق العملاقة في الزمكان ربما تحد حجم المجرة برسمها حول مركز الجاذبية، أو باستهلاك كميات كبيرة من الغبار المكون للنجوم، قد يساعد هذا الأسلوب العلماء في التعلم أكثر عن قلب مجرتنا درب التبانة.

قال توشاك غاندي أستاذ الفيزياء الفلكية بجامعة ساوثهامبتون: «إذا لم نمتلك ثقب أسود فائق الكتلة في مجرتنا درب التبانة لكانت هناك نجوم أكثر في السماء».

اقرأ أيضًا:

هل يكشف الانفجار العظيم المظلم سر المادة المظلمة؟

إذا كان عُمر الكون المرئي 13.7 مليار سنة فكيف وصل قطره لأكثر من 93 مليار سنة ضوئية؟

ترجمة: وليد محمد عبد المنعم

تدقيق: باسل حميدي

مراجعة: ميرڤت الضاهر

المصدر