أصبح العلماء على بُعد خطوة واحدة من علاج الإنهاك الناتج عن فروق التوقيت، وفقًا لدراسة جديدة أُجريت على الفئران.

يحدث التعب والإنهاك عندما تفشل الساعة الرئيسية بالدماغ عن مجاراة الوقت الفعلي، وليتضح الأمر لك أكثر، سأُعطيك مثالًا:

تعتقد ساعتك الرئيسية بدماغك أنه حان وقت الذهاب للنوم، وحين تنظر لساعة الحائط تجد أنه وقت الغذاء مثلًا!! هذا ما يحدث لدى معظمنا بالضبط.

توجد الساعة الرئيسية في منطقة بالدماغ تُعرف بالنواة فوق التّصالُبَة (superachiasmatic nucleus)، فالخلايا العصبيّة في تلك المنطقة تأخذ الإشارات من الشمس لتزامن نفسها مع دوران الأرض على مدار 24 ساعة.

ولكن بعض الخلايا في منطقة النواة فوق التّصالُبَة لها تأثيرٌ أكبر من نظيراتها في نفس المنطقة، طبقًا لدراسة نُشرت في الثاني عشر من شهر يوليو الماضي في مجلّة Neuron.

هذا لأن حوالي 10% من هذه الخلايا تنتج جزيئًا يُعرف (Vasoactive intestinal polypeptide) أو يُرمز له اختصارًا VIP، ويلعب هذا الجزيء دورًا مهمًا جدًا في كيفيّة تواصل الخلايا العصبيّة وتزامنها مع بعضها البعض.

قالت (إيريك هيرزوج) أستاذة علم الأحياء في جامعة واشنطن في بيانٍ لها: «افترضنا أن هذه الخلايا العصبية مثل الجدّات المسؤولات عن إخبارنا ما الذي يجب علينا فِعله، لكن ما زال من غير المعروف كيف لنشاط هذه الخلايا العصبية إطلاق هذا البروتين، طبقًا للدراسة».

ولمعرفة كيفية تواصل تلك الخلايا العصبية المنتجة لعصبونات (VIP) مع بعضها، قام الباحثون بتسجيل النبضات الكهربائية التي تمر خلال الخلايا العصبية ثم تنتقل إلى الخلايا المجاورة – تُعرف هذه العملية بإسم جُهد الفعل Action potential – في مجموعة من الخلايا العصبية لمدة ثلاثة أيام، ووجدوا أن تلك الخلايا تتواصل مع بعضها بطريقتين، وللإيضاح دعني أُبين لك الأمر:

قسَّم الباحثون تلك الخلايا إلى نوعين طبقًا لطريقة نقلها للنبضات الكهربائية (تواصلها مع الخلايا الأخرى) أطلقوا على أحدهما:

الخلايا العصبية المُنشّطة، وهي التي تنقل النبضات الكهربية بشكل منتظم وثابت.

وأطلقوا على النوع الآخر: الخلايا العصبية غير المنتظمة، وذلك لأنها تطلق النبضات الكهربية في صورة رشقات ثلاثية أو ثنائية، مع وجود فاصل بين الرشقات يختفي فيه نشاط الخلية.

بعد ذلك، هدف الباحثون إلى اختراق هذه الخلايا العصبية في أدمغة الفئران من أجل إعادة ضبط ساعتهم الرئيسية!

ولأداء هذه المهمة قاموا بتعطيل الساعة الرئيسية في أدمغة الفئران عن طريق عزلها ليوم كامل في الظلام دون وجود أي إشارات عن التوقيت من البيئة المحيطة، ثم بعد ذلك قاموا باختراق تلك الخلايا عن طريق توصيل إشارة كهربية لها في نفس الوقت كل يوم.

وقال الباحثون: «هذه الإشارات جعلت الساعة الرئيسية في أدمغة الفئران تتعرف على منطقة زمنيّة جديدة غير متطابقة مع الوقت الفعلي» ونتيجةً لهذه العملية لاحظ الباحثون: «أن الفئران تأخذ وقتًا أطول للتكيّف مع المنطقة الزمنية الجديدة، فقط عندما تقوم الخلايا بإطلاق النبضات الكهربية بثباتٍ وانتظام.

أما في حالة إطلاق الخلايا للنبضات الكهربية في شكل رشقات غير منتظمة فإن الفئران تأخذ وقتًا أقل للتكيّف مع المنطقة الزمنية الجديدة».

وقال أحد الباحثين: «إن طريقة إطلاق النبضات الكهربائية بشكل غير منتظم هي التي دفعت تلك الخلايا لإنتاج عصبونات (VIP)».

وجد الباحثون أيضًا أنه عند تنشيط الخلايا العصبية غيرت الفئران من سلوكها التقليدي، ببذل نشاطٍ أقل.

وكتب الباحثون في الدراسة: «هذا يقترح دورًا رئيسيًا لهذه الخلايا العصبية في تنظيم السلوكيات الدورية (اليومية) بما في ذلك وقت النوم» وأضافوا: «نعتقد أن هذا الأسلوب الذي اتبعناه في التجربة هو القادر على تغيير الساعة الرئيسية بشكلٍ أسرع».

هذة النتائج ترفع من إمكانية قيام الباحثين بإيجاد علاج للإنهاك الناتج عن اختلاف المناطق الزمنية.

فإذا تمكن العلماء من حث الخلايا على إطلاق عصبونات (VIP) فقد يساعد هذا الناس فعلًا في التغلب على الفوارق بين المناطق الزمنية.

ولأن هذه الدراسة أُجريت على الفئران فما زالت هناك حاجة لتنفيذها على البشر.


  • ترجمة: محمد غازي
  • تدقيق: محمد عبد الحميد أبو قصيصة
  • تحرير: تسنيم المنجّد
  • المصدر