البرابرة: كلمة غالبًا ماتستخدم حديثًا لتشير إلى الناس غير المتحضرين وأعمالهم الشريرة، أول استخدام للكلمة كان في اليونان القديمة، وفي بداية استخدامها كانت تشير فقط إلى الناس الأغراب عن البلد أو الذين لا يتحدثون اليونانية.

اليوم، معنى الكلمة أصبح مختلفًا تمامًا عن أصلها اليوناني وأقرب مثال على ذلك في خطاب للرئيس الأمريكي باراك أوباما في العام 2012 في مدينة نيويورك.

قال أوباما: «عندما يتم اختطاف طفل صغير، يتحول إلى جندي، ويُجبر على أن يَقتل أو يُقتل؛ تلك هي العبودية. عندما تُباع طفلة صغيرة من قبل عائلتها الفقيرة، بنات في سن ابنتي يهربن من بيوتهن، أو يُخدعن بوعود كاذبة عن حياة أفضل، وبعد ذلك يسجنّ في بيوت للبغاء ويتم تعذيبهن إذا ما قاومن؛ فتلك عبودية. هذا عمل بربري، عمل شرير، لا مكان له في العالم المتحضر».

بالطبع عندما استخدم أوباما مصطلح “بربري” لم يعنِ بها من هم خارج نيويورك أو من لا يتحدثون اليونانية، بل كان يعني التصرفات الشريرة عمومًا.

بالفعل، فمعنى كلمة “بربري” تغير بشكل دراماتيكي على مر الزمن، وفي الحقيقة لم تحمل الكلمة عادةً معنىً سيئًا للجميع.

الصورة: “الهون في معركة تشالون” من التاريخ الشعبي لفرنسا من الأزمنة الأولى، المجلد الأول من ستة مجلدات. رسم توضيحي لـ A. De Neuville (1836-1885).

الأصل اليوناني:

كلمة” بربري” مشتقة من الكلمة اليونانية القديمة “بربروس – βάρβάρος” والتي استخدمت منذ 3200 عام عندما كانت الحضارة التي يدعوها العلماء المعاصرون “الميسينية – Mycenaean” والتي حكمت معظم اليونان.

خوان لويس جارسيا ألونسو “Juan Luis Garcia Alonso”، بروفيسور بجامعة “سالامانكا – Salamanca”، ورقةً علميةً نشرت في كتاب “الهوية: نهج متعدد الثقافات ومتعدد التخصصات” (مطبعة جامعة كويمبرا 2017).

الكلمة كانت مكتوبةً على ألواح طينية وجدت في “بيلوس – pylos” في مدينة ميسينية الكبيرة في اليونان.

كتب ألونسو: «في مجموعة الألواح الطينية لبيلوس وجدنا أن الكلمة تنطبق بوضوح على أناس من خارج المدينة».

العديد من العلماء اختلفوا في أن “بربر” في كلمة بربري ربما هي محاولة لتقليد تلعثم الصوت، والتي من المحتمل أن يبدو غير المتكلمين باليونانية كشخص يتحدث اليونانية.

في الأزمنة القديمة (منذ 2700 عام مضى) لم يكن هناك شك أن أحد المعاني الرئيسية للكلمة كان لغويًا؛ كتب كونستانتينوس فلاسوبولس – Konstantinos Vlassopoulos، استاذ التاريخ وعلم الآثار في جامعة” كريت – Crete”، في كتابه الإغريق والبربر: «البربر هم أولئك الذين لا يتحدثون اليونانية» (مطبعة جامعة كامبريدج 2013).

الشعوب التي لا تتحدث اليونانية قد يكونون أصدقاءً أو أعداءً.

فالفرس الذين غزوا اليونان كان يشار إليهم ب” البرابرة” في وصف هيرودوت، الذي عاش في القرن الخامس قبل الميلاد، لمعاركهم ضد قيادة قوة أسبرطة في “ثيرموبيلاي – Thermopylae” .

البرابرة وروما:

تغير معنى كلمة بربري بطريقة ما حين استخدم الرومان -العديد منهم لا يتحدثون اليونانية- الكلمة للإشارة إلى كل الأجانب لا سيما مجموعة واسعة من الناس الذين كانوا يعتدون على حدودهم.

هؤلاء البرابرة لم يتحدوا مطلقًا، فبعضهم نهب الإمبراطورية الرومانية بينما الآخرون أصبحوا حلفائها.

كانت هناك عدة مجموعات، وتغير ولائهم عبر الزمن.

كتب والتر جوفارت -Walter Goffart، باحث كبير ومحاضر في جامعة ييل في كتابه “المد البربري: عصر الهجرة والإمبراطورية الرومانية في وقت لاحق” (مطبعة جامعة بنسلفانيا 2006):

« تعاملت روما بفاعلية مع القوطيين، الفاندال، هيرولس، سويفس، الساكسونيين، الجيبيدز، السارماتيين، الانز، الهون، الأفارز، الكاربي، الأسواريانز»، قامت واحدة من هذه المجموعات، البيوفاري -Baiuvarii، في بعض الأحيان بتعديل جماجمهم فيصبح لديهم مظهرٌ على شكل بيضة.

وكان أشهر بربري من هذه الحقبة، على نحو مثير للجدل، “أتيلا الهون -Attila the Hun” الذي حكم إمبراطوريةً واسعةً تحكمت في مجموعات أخرى من البربر.

في بداية حكمه حالف الرومان ضد “البورغانديين -Burgundians ” وهم مجموعة أخرى من البربر، ثم تحول لاحقًا ضد الرومان وتحرك ضدهم عسكريًا في فرنسا.

بعد ذلك قام الرومان أنفسهم بتحالف مع “القوط الغربيين-Visigoths “، وهم أيضًا برابرة، وهزموا أتيلا.

كلمة بربري لم تحمل معنًى سيئًا للجميع داخل الإمبراطورية الرومانية، ففي السنة 440 ميلادية، كتب الكاهن المسيحي سالفيان: «كل البربر تقريبًا من عرق واحد، وهم أيضًا أقارب ويحبون بعضهم، بينما الرومان يضطهدون بعضهم».

وقد لوحظ أن العديد من فقراء الرومان يلجأون إلى البرابرة طلبًا للمساعدة.

“إنهم بلا شك يبحثون عن الإنسانية الرومانية بين البرابرة، لأنهم لا يستطيعون تحمل الوحشية البربرية عند الرومان” (الترجمة من خلال موقع جامعة فوردهام)

من هو البربري؟

أصبح تعريف” بربري” أكثر تعقيدًا وحيرةً ما بين العلماء المعاصرين، وبين عامة الناس.

كتب نيكولا دي كوزمو من معهد الدراسات المتقدمة في كتابه “الصين القديمة وأعدائها: صعود القوى البدوية في تاريخ شرق آسيا” (مطبعة جامعة كامبريدج 2002)، «لو كانت هناك سمة مشتركة بين الحضارات؛ فهي حاجتها الأيديولوجية في أن تدافع عن نفسها ليس فقط ضد أعدائها، بل ضد أعداء الحضارات والبرابرة».

يمكن الاعتراف بهذه المعارضة بين الحضارة وأعدائها باعتبارها واحدة من أهم المواضيع المستمرة التي نواجهها في تاريخ العالم.

كمثال، استخدم الصينيون مصطلحات لوصف الشعوب التي تقاتلوا معها، تترجم للإنجليزية في بعض الأحيان على أنها شعوب بربرية، مثل ” يي-Yi”
بعض الشعوب اعتبرت الفايكينج برابرة، على الرغم من امتلاكهم تقنيات بحرية متقدمة مكنتهم من احتلال آيسلندا والإبحار إلى عالم جديد.

في أيامنا الحديثة، مازال بعض الناس يدعون الوصفات العلاجية التي استخدمت قديما بالطرق البربرية، بالرغم من أن هذه الطرق مازالت تستخدم إلى يومنا هذا.

بالنسبة إلى الإغريق القدماء، كان البربري شخصًا من خارج المدينة أو لم يتكلم اللغة اليونانية، بغض النظر عما إذا كان هذا الشخص يملك نيّات حسنة أو سيئة.

لقد تغير هذا المصطلح عبر الزمن إلى نقطة لا يمكن أن يتعرف عليها الإغريق.


  • ترجمة: محمد علي
  • تدقيق: أحلام مرشد
  • تحرير: يمام اليوسف
  • المصدر