كان ماركو بولو (Marco Polo) من بين أوائل وأشهر الرحالة الأوروبيين إلى آسيا خلال العصور الوسطى.

حيث سافر أبعد من أي شخص قد سبقه في مغامرته التي دامت 24 سنة على طريق الحرير، فوصل إلى الصين ثم منغوليا، حيث أصبح من المقربين لكوبلاي خان (Kublai Khan) الزعيم المنغولي.

تم سرد قصة رحلة بولو في كتاب المليون (Il Milione)، الذي يطلق عليه عادةً إسم “رحلات ماركو بولو”.

مغامرات الرحالة أثرت على رسّامي الخرائط الأوروبيين، وألهمت كريستوفر كولومبوس.

منذأيام بولو وحتى اليوم، كان هناك شك حيال وصوله إلى الصين.

رغم ذلك، معظم المختصين يتفقون على أنه قد قام برحلته فعلًا.

نشأة ماركو بولو:

ولد في حوالي سنة 1254 لعائلة تجاريَّة غنية بمدينة البندقية الإيطالية، ويبقى تاريخ ولادته الدقيق والمكان مجهولًا.

أبوه كان يسمى نيكولو (Niccolo)، وكان مع عمه مافيو (Maffeo) تاجري مجوهرات ناجحين، إذ أنفقا الكثير على طفولة ماركو في آسيا.

توفيت أم ماركو عندما كان صغيرًا؛ ولذلك قامت العائلة عمومًا بتربية الطفل.

تقول سوزان أبرنيثي (Susan Abernethy) كاتبة التاريخ في هذا الشأن: «كانت العائلات التجارية في البندقية المحركة للتجارة والحكومة آنذاك».

وسّع هؤلاء التجار أعمالهم إلى التجارة بعيدة المسافة حيث بدأ الناس بتوقع توفر المنتوجات الأجنبية التي يجلبونها.

التجار، مثل عائلة بولو أصبحوا أغنياء بشكلٍ متصاعد.

ذهب الإخوة بولو إلى غاية الصين، التي كانت تسمى كاتاي آنذاك (Cathay).

قابلوا القائد المنغولي كوبلاي خان في بلاطه المتواجد بمدينة بكين.

كان كوبلاي خان حفيد الفاتح العظيم جنكيز خان (Genghis Khan)، وعبر عن اهتمامه بالمسيحية، فطلب من الإخوة بولو العودة إلى روما والحديث مع البابا نيابةً عنه.

أراد الخان من البابا أن يرسل الإخوة بولو إلى بكين من جديد مع مياه مقدسة و 100 قس معلّم.

تقول أبرنيثي في هذا الشأن: «كان الخان قائدًا استثنائيًا لعدة أسباب، فتح المجال أمام الرحالة والتجار لدخول منغوليا والإمبراطوريات الصينية، وقام برعاية طالبي العلم والعلماء وعلماء الفلك والأطباء والفنانين والشعراء.

لقد كان الخان بنفسه خبيرًا في الشعر الصيني.

في المقابل، كان يحصل الخان على امتيازات معرفة هؤلاء الغرباء في مشاريع كبيرة مثل مشاريع إدارة المياه و الهندسة الهيدروليكية وأمور الحرب وهندسة الحصار ومساعي أخرى».

كانت عائلة بولو من العائلات التي وثق بها الخان وتعلم منها.

عندما وصل ماركو إلى سن الخامسة عشرة، عاد أبوه وعمه إلى الوطن.

رغم عدم تلبية البابا لطلبهم، قرر الإخوة بولو العودة إلى الصين.

هذه المرة، أخذوا معهم ماركو الذي وصل إلى سن السابعة عشرة.

الطريق البطيء إلى الصين:

أبحر الفريق من جنوب البندقية عبر البحر المتوسط إلى الأرض المقدسة.

وجلبوا معهم راهبين -أفضل ما أمكنهم فعله لتلبية طلب الخان- لكن بعد تذوق صعوبة السفر، قرر الراهبان العودة.

واصلت عائلة بولو المسيرة، بالسفر شمالًا وجنوبًا عبر أرمينيا، فارس، أفغانستان وجبال بامير.

ثم قطعوا صحراء جوبي الواسعة نحو بكين.

استغرقت الرحلة ثلاث أو أربع سنوات، وكانت مليئة بالمصاعب والمغامرة.

أصيب ماركو بولو بمرض واضطر للبقاء في جبال شمال أفغانستان لفترة إضافية من الزمن.

وصف بولو الفترة التي بقي فيها هناك بـ «لا يوجد شيء لتأكله على الإطلاق» في صحراء جوبي.

في زانادو مع كوبلاي خان:

وصلوا أخيرًا إلى بكين حيث التقوا بكوبلاي خان في القصر الصيفي “زانادو” ذلك البناء العظيم من الرخام والذهب الذي سحر الشاب ماركو.

استقبل الخان عائلة بولو برحابة ودعاهم إلى البقاء وأن يكون كل من نيكولو ومافيو جزءًا من بلاطه.

انغمس ماركو في الثقافة الصينية، وتعلم اللغة سريعًا مع أخذ ملاحظات حول التقاليد.

كان الخان معجبًا بذلك وقام بتعيين ماركو كمبعوث خاص في نهاية المطاف.

تقول أبرنيثي: «أظن أن ماركو كان مثقفًا واسع المعرفة وساحرًا»، وتضيف: «تعلم أربع لغات وأظهر فضولًا كبيرًا وتسامحًا بالنظر إلى الأشخاص المحيطين به والأشخاص الذين التقى بهم، واعترف الخان بموهبته… كان بولو مخلصًا في خدمة الإمبراطور».

سمحت هذه المكانة لبولو بالذهاب إلى أماكن بعيدة في آسيا، مثل التبت، بورما والهند؛ أماكن لم

رها الأوروبيون من قبل.

عبر السنوات، ترقّى ماركو ليصبح حاكمًا على مدينة صينية كبيرة، ثم إلى مفتش ضرائب بـ يازنهو، إلى أن حصل على مقعد رسمي في مجلس الخان الخاص في النهاية.

تقول أبرنيثي: «زوّد الخان ماركو وعائلته بـ البايزا، وهو لوح ذهبي سمح له باستخدام شبكة واسعة من المساكن والأحصنة الملكية.

هذا الأمر كان بمثابة جواز سفر رسمي سمح لعائلة بولو بأن تصبح ضيوف شرف لدى الإمبراطور كما مكّنهم من السفر بحرية عبر آسيا».

خلال ذلك، أعجب ماركو بولو بالتقاليد الصينية، وغناها الكبير وتنوعها والتركيبة الاجتماعية المعقدة.

كان معجبًا بالأموال الورقية للإمبراطور، نظام الاتصال الفعال، حرق الفحم، البارود والخزف، حتى أنه سمى زانادو بـ “أعظم مكان وجد على الإطلاق”.

العودة إلى الوطن:

بقيت عائلة بولو في الصين طيلة 17 عامًا، وأصبحت فاحشة الغنى بالمجوهرات والذهب. عندما قرروا العودة إلى البندقية، طلب الخان الذي كان غير راضٍ على مغادرتهم مرافقتهم أميرة منغولية إلى فارس، حيث ستتزوج بأمير فارسي.

خلال رحلة العودة التي دامت سنتين عبر المحيط الهندي، توفي 600 شخص من أعضاء الرحلة.

مع الوقت الذي وصلوا فيه إلى هرمز في فارس وتركوا الأميرة، تبقى 18 شخصًا فقط على متن السفينة.

كما أن الأمير الذي كان من المفروض أن يتزوج الأميرة المنغولية كان قد توفي أيضًا، لتضطر عائلة بولو إلى البحث عن شخص آخر مناسب للزواج من الأميرة عبر أرض فارس.

في النهاية، وصلت عائلة بولو إلى البندقية.

بعد غيابٍ دام 24 عامًا، لم يتعرف الناس عليهم، وواجهت العائلة صعوبة في الحديث بالإيطالية.

الإرث:

بعد عودتهم إلى البندقية بثلاثة سنوات، قاد ماركو بولو سفينة حربية في صراع مع جنوة.

تم القبض عليه ووضعَ في سجن بجنوة، حيث إلتقى بسجين اسمه روستيشيلو (Rustichello)، الذي كان كاتبًا روائيًا.

عند إطلاق سراحه، سرد ماركو قصته على الكاتب، كتبت تلك القصص بالفرنسية، تحت عنوان “كتب أعجوبات العالم” لكنها معروفة في الإنجليزية تحت اسم “رحلات ماركو بولو”.

تقول أبرنيثي في هذا الشأن : «في البداية، رأى العديد الكتاب كخيال، مثل خرافات العصور الوسطى، مع القصص الطويلة وشرحٍ لحيوانات مذهلة.

طُبعت العديد من نسخ الكتاب وتُرجم إلى العديد من اللغات.

لم يعلم الناس أن قصص بولو كانت حقيقية إلا بعد موته».

بالإضافة إلى ذلك، شكك بعض في موثوقية بولو، ربما قاد ذلك إلى أشهر عنوان للكتاب بالإيطالية الذي كان “المليون” كاختصار لـ “المليون كذبة”.

كما شكك البعض في ذهاب بولو إلى الصين وأن القصة برمتها كانت محض خدعة.

هناك عدة أسباب جعلت الناس يشكون في مصداقية الكتاب، ومن بين تلك الأسباب عملية الكتابة.

قصّ بولو حكايته على روستيشيلو من خلال مذكراته العديدة، وكان الكاتب مشهورًا نوعًا ما، حيث تقول أبرنيثي أنه «قد يكون نمَّق القصة».

عملية النشر في ذلك الوقت قد تقود إلى تغيير الحقائق وتضخيمها كذلك.

فقد صدر الكتاب قبل عصر الصحافة المطبوعة، ودائمًا ما كانت المخطوطات المنسوخة يدويًا عرضة للخطأ والأخطاء المقصودة، حسب رأي الخبيرة.

“كان هنالك إغفال صارخ” تقول: «لم يذكر بولو سور الصين العظيم، ربط القدم، الشاي واستخدام عيدان الأكل.

على كلٍ، لاشيء في ذلك هو غير اعتيادي.

هناك مؤرخون آخرون عبر التاريخ قد أغفلوا معلومات واضحة في كتاباتهم كذلك».

تقول أيضًا في مكانٍ آخر: «بعض القصص تبدو بعيدة الاحتمال كذلك ومن الواضح عدم شهادة بولو لبعض المعلومات المذكورة.

قد يكون بولو ساذجًا نوعًا ما بالنسبة لما شهده وقد رأى كل شيء عبر أعين غربية، مما خلق تضاربًا في السرد.

كما أن إعادة سرده لقصص سمعها من رحالة آخرين أمر ممكن».

هذه هي قصته وهو متمسك بها:

لقد تمسك بولو بما ورد في الكتاب، وعلى فراش الموت عام 1324، ألح الزوار عليه بالاعتراف بأن الكتاب ما هو إلا محض خيال، فكان رده المشهور “لم أقل نصف ما رأيت”.

رغم عدم وجود أية نسخة موثوقة من كتاب بولو، قام الباحثون والمؤرخون في القرون اللاحقة بالتحقق من العديد من الأشياء التي ذكرها.

لقد كانت الحقائق مقبولة عمومًا وقد نقل بشكلٍ صادق قدر المستطاع، رغم أن بعض التفاصيل قد تكون أتت من رحالة آخرين التقى بهم في الطريق.

«من المرجح حسب الأدلة أن بولو قد قام بزيارة الصين فعلًا» تقول أبرنيثي.

«لقد سلط الضوء بمعلومات مفصلة على العملة المستخدمة، بما في ذلك الأوراق النقدية، وذكر حرق الفحم، كما أن المعلومات التي ذكرها حول إنتاج الملح والمداخيل دقيقة في هذا الشأن، والعديد من أسماء الأماكن التي ذكرها في القصة تم تحديدها اليوم، ووصفه قناة الصين العظيمة دقيق بشكلٍ كبير.

بالفعل، إدعاء أنه لم يزر الصين يطرح أسئلة أكثر من الإجابة عنها».

المعلومات المذكورة في كتابه كانت جوهرية في الفهم الأوروبي للجغرافيا وألهمت العديد من المستكشفين الآخرين، بما في ذلك كريستوفر كولومبوس، الذي يقال أنه أخذ نسخة من كتاب بولو معه سنة 1492.

تقول أبرنيثي : «بعد حوالي خمسين سنة من موت بولو، بدأ استخدام عمله في صناعة الخرائط.

رسامو الخرائط قاموا باستخدام طرق رحلته والأسماء والمصطلحات التي استخدمها لتحديد الأماكن في الرسومات الموجودة على خرائطهم».

من كان يعلم؟

لم يقم ماركو بولو بتقديم الباستا لإيطاليا كما يشاع، فقد كان الطبق موجودًا في أوروبا لقرون سبقت، حسب موقع History.com.

إدعاء أنه جلب الآيس كريم إلى أوروبا هو محل جدال كذلك، إذ يقول خبير الآيس كريم الفرنسي جيرار تورين (Gerard Taurin) أن ماركو بولو قد جلب فكرة الآيس كريم من الصين.

حسب الرابطة العالمية للألبان، عاد ماركو بولو من الصين بوصفة لما يبدو أنها «شربات – مثلجات فواكه»، وقد تكون تطورت فيما بعد إلى آيس كريم في القرن السادس عشر.

كان بولو من بين أول الأوروبيين الذين رأوا حيوان الكركدن.

لكنه ظن أنها مخلوقات وحيد القرن الخرافية.

يظن بعض الباحثين أن مولد بولو كان على جزيرة كوركولا (Korcula) في ساحل البحر الأدرياتيكي “كرواتيا حاليًا”، حسب مقال نشر في التيليغراف سنة 2011.

حسب هذه النظرية، كان أبوه تاجرًا من دالماتيا (Dalmatia) الكرواتية يحمل اسم مافيو بيليتش (Maffeo Pilic)، وقد يكون غير اسمه إلى بولو عند انتقاله إلى البندقية.

في سنة 2011، اعترضت إيطاليا عند افتتاح محتف يحتفي بماركو بولو في مدينة يانغزهو الصينية، إذ لم يتم افتتاحه من طرف دبلوماسي إيطالي، بل من طرف رئيس كرواتي سابق، ستيبان ميسيتش (Stjepan Mesic) الذي وصف بولو قائلًا أنه كان “مستكشف العالم، الذي ولد في كرواتيا، وفتح الصين على أوروبا”.


  • ترجمة: وليد سايس.
  • تدقيق: جعفر الجزيري.
  • تحرير: عيسى هزيم.
  • المصدر