في عام 2011، نشر دان سبيربر وهوغو ميرسير، وهما عالمي إدراك اجتماعي فرنسيين، بحث أدى إلى إثارة المجتمع العلمي، مما غير بشكل أساسي الطريقة التي يجب على القادة من خلالها حل المشاكل واتخاذ القرارات.

وقد وجدوا في بحثهم المدهش، أن التأمل له وظيفة مثيرة للجدل.

ولكن هذا الاستنتاج، مهما كان حجمه وتأثيره، لا يُنصَف تأثيره بشكل حقيقي، لذا دعوني أحاول طريقة أخرى:

تخيل لبرهة أنك نشار خشب تعيش في غابة بعيدة.

وأثناء نزهة في أحد الأحيان، ترى منشارًا طويلًا ملقى على الأرض.

بعد النظر يمينًا ويسارًا، ستلتقطه مع القليل من التردد، وستذهب إلى العمل.

المنشار يقوم بعمل جيد في تقطيع الخشب ولكن سرعان ما ستدرك قريبًا، أن الأمر لا يتم من دون مشاكل.

بصرف النظر عن حقيقة أن هذا الشيء كبير وغير عملي، أسنان المنشار اللعينة ستعلق أثناء الدفع، مما يجبرك على التوقف كل بضعة لحظات لإعادة ضبطه.

وبعدها سيصبح المنشار أداتك التي تثق بها لعدة سنين وعندما يسمع النشارون الآخرون الخبر بخصوص منشارك الجديد، سيقومون بنسخ التصميم ونشره في أنحاء العالم.

وفي يوم من الأيام، يأتي رجلان غريبان يرتديان معاطف المختبر البيضاء إلى منزلك ويخبروك: أنت ورفاقك تستخدمون الأداة بصورة خاطئة.

يمسك الرجلان المنشار ويشيران إلى شيء لم تلاحظه على الإطلاق من قبل: كلا النهايتين تحتوي على مقابض.

ويخبروك أن سبب حجمه الكبير والسبب في كونه يعلق باستمرار، هو لأنه لم يصمم لشخص واحد.

إنه منشار لشخصين.

حسنًا، تخيل الآن أن هذان الرجلان اللذان كانا يرتدون المعاطف البيضاء هم سبيربر وميرسير.

وهذا المنشار لم يكن منشار بالفعل بل هو عقلك.

إن التفكير – وهو الشيء الذي نقوم به طوال حياتنا لمساعدتنا في حل المشاكل واتخاذ القرارات – لم يتم تصمميه مطلقًا للاستخدام الفردي، كما يدعي سبيربر وميرسير.

تم تصمميه ليتم مع شريك.

المشاكل المتعلقة بالتفكير المنعزل:

قم بتخيل مفكر عظيم يحاول حل مشكلة صعبة ماذا سترى؟ ربما تكون صورة راهب كبير في السن يتأمل في قمة جبل، أو امرأة تكتب حلولًا على سبورة، أو أوراق متناثرة على أرضية مكتبها، أو ربما فيلسوف في البرية، جالس على صخرة كما في منحوتة (المفكر) للنحات رودان، دافعًا قبضته أسفل ذقنه، متأملًا بعمق.

أيًا كانت الصورة، دعني أسالك، هل المفكر وحده؟

إن الافتراض الموجود في أذهاننا، الافتراض الذي لم نشك به يومًا ما، إن التفكير، في جوهره، هو نشاط فردي.

وللتوضيح، عندما أستخدم المصطلح (التفكير)، فإنني أشير إلى نوع معين: الاستدلال – نوع التفكير الذي يكون بطيء ومتعب والذي على أساسه سنقرر ما نؤمن به وما الذي لا نؤمن به.

وافتراضنا هو، أننا لم نكن نستطيع القيام بهذا النوع من التفكير مع الآخرين، ولكنه ليس الأمر الطبيعي.

ولكن إذا كان التفكير الانفرادي أمرًا طبيعيًا للغاية، فيجب علينا طرح سؤال بسيط: هل نحن جيدون في ذلك؟ بشكل مثير للدهشة، وفقًا لسبيربير وميرسير، الجواب هو لا.

قد أثبتت كميات كبيرة من الأدلة التجريبية أن البشر غير كفؤين في تمارين التفكير الانفرادي.

خذ على سبيل المثال أحجية Wason selection task، وهي تمرين استنتاجي منطقي، تم القيام به آلاف المرات على مدى العقدين الماضيين.

في التجارب المختبرية، يفشل الأشخاص في المهام الاستنتاجية البسيطة بمعدلات مذهلة، وعمومًا، فقط 10% من يجتاز هذه المهام.

أحد أسباب هذه النتائج المحزنة هو (الانحياز التأكيدي-conformational bias): وهي ظاهرة نفسية يسعى البشر فيها إلى البحث والتعامل مع النتائج الأكثر إيجابية بالنسبة لهم والتي تتماشى مع ما يؤمنون به (او ما يريدون الإيمان به)

ولمعرفة كيف من الممكن للانحياز التأكيدي أن يؤدي إلى ضلال المفكرين المنعزلين، فقط تخيل وضع قائمة للإيجابيات والسلبيات لأمر ما أنت متحمس بالفعل للقيام به.

لنفترض أنك تريد وبشدة شراء سيارة رياضية باهظة الثمن (وأن الجزء العاقل منك يعلم أنك لا تحتاجها).

لاحظ مدى سهولة إنشاء قائمة طويلة بالأمور الإيجابية – المقاعد الجلدية، القوة الحصانية، العيون التي ستجذبها على الطريق السريع – ولكنك ستعاني في محاولتك للحصول على نفس العدد من الأمور السلبية.

لا يعني ذلك أنه ليس هنالك الكثير – السعر، تكلفة الصيانة، والجحيم الذي ستحصل عليه من زوجتك عندما تكتشف الأمر – ولكن الانحياز التأكيدي سيصعب علينا رؤيته.

يؤدي هذا النوع من التحليل الغير متماثل إلى بعض القرارات السيئة للغاية.

ولكن السؤال الذي لم يفكر به علماء النفس هو: كيف تمكن الانحياز التأكيدي من النجاة بعد سنين عديدة من التطور؟

قد وجد سبيربير وميرسير أن الانحياز التأكيدي من الممكن أن يبدو نقطة ضعف، لأننا قد افترضنا، بصورة خاطئة، أن التفكير يجب أن يحدث بصورة منعزلة.

وقد أظهروا لأنه عندما يفكر شخصين معًا، سيؤدي هذا إلى نتائج عظيمة.

قوة التفكير المشترك

من أجل فهم لماذا التفكير المشترك هو أمر جيد للغاية، يجب علينا زيارة نشار الخشب من جديد.

نشر الخشب، كما سيلاحظ أي أحد، يحتاج إلى حركتي دفع وسحب.

ولكن هاتين الحركتين نادرًا ما تكون متساويتان.

من الناحية العملية، يجد العديد من النشارين أن من الأسهل عليهم توليد الطاقة عندما يقومون بالسحب مقارنةً عندما يقومون بالدفع.

وأن يكون 50% من نشاطك أقل كفاءة هو نقطة ضعف، بالطبع.

ما لم يكن لديك شريك.

عندما يقابل أحدكم الآخر، ممسكين بالنهايات المتقابلة من المنشار، سيكون لكل منكما رفاهية التركيز حصريًا على الحركة التي تفضلها بصورة طبيعية، السحب.

هذا التقسيم الجميل للعمالة سيحول الانحياز للقيام بالسحب من نقطة ضعف إلى قوة.

وبصورة مماثلة، عندما يفكر شخصين معًا، شخصين لهما وجهات نظر مختلفة، سيقوم كل شخص، بدلًا من أن يضيع وقته وطاقته في محاولة معرفة كلا السلبيات والإيجابيات – من الممكن أن يتخصص بأحدهما، الواحدة التي يفضلها انحيازهم التأكيدي.

يسمي سبيربير وميرسير هذا ب(تقسيم العمالة المعرفية) والذي سيؤدي إلى تفكير أكثر كفاءة.

والآن لنعود إلى السيارة الرياضية.

تذكر أن الانحياز لشراء السيارة الرياضية جعلك أفضل في ذكر الأسباب التي تؤيد شراء السيارة، ولكن أسوأ في ذكر سلبياتها.

ولكن ماذا لو كنت تعمل مع شخص لديه انحياز ضد شراء السيارة، شخص ما كزوجتك، التي أفترض أنها ستكون مذعورة بفكرة شرائك للسيارة وستكون بدون أي شك أفضل في ذكر السلبيات.

عندما يختص كل منكما (أنت في ذكر الإيجابيات، وزوجتك في ذكر السلبيات)، ستتمكن من الحصول على قائمة أكثر شمولًا للإيجابيات والسلبيات.

هذه العملية من التفكير المتخصص مع الآخرين لها اسم: الجدال.

وهي المفتاح لاتخاذ أفضل القرارات.

تظهر دراسة بعد دراسة أنه ضمن محيط جَدَلي، عندما يفكر الناس معًا، سيتفوقون على المنفردين.

أحد الأمثلة المذهلة التي سلط سبيربير وميرسير الضوء عليها هي Wason selection task التي تكلمنا عنها سابقًا.

تذكر أن المنفردين قد اجتازوا هذا الاختبار في 10% من المرات، ولكن عندما تؤدي مجموعات هذا الاختبار، يرتفع هذا الرقم إلى 80%.

وبالتأكيد، التفكير المشترك ليس بالأمر الجديد.

من منا لم يتصل بصديق أو زميل للتحدث معه بخصوص قرار؟ ولكن من الناحية الواقعية، كم مرة قمنا بهذا؟ والأهم من كل ذلك، عندما نقوم به، هل نتحدث مع أشخاص يرغبون فعلًا في الاختلاف معنا؟

سواء أدركنا ذلك أم لا، فإن معظم الناس لا يشعرون بأنهم متمكنين بأن يكونوا صادقين للغاية.

إما لأنهم يرغبون في تجنب الصراع، مراعاة لمشاعرنا، أو لمنع التداعيات الشخصية والعملية المحتملة.

اذا أردنا الاستفادة من القوة الهائلة من الجدال مع الآخرين، فإننا نحتاج إلى العثور على الأفراد الناضجين الذين سيكونوا صادقين، وعلى استعداد للمشاركة معنا في قتال فكري.

وكما اتضح، يبدو أن أعظم العقول في التاريخ قد فهموا الضرورة الأساسية لهذه الأنواع من العلاقات.

ولهذا السبب، كان للكثير منهم شركاء من هذا النوع.

شريك تفكير وارن بافت

في حفل عشاء في مدينة اوماها عام 1959، التقى وارن بأحد معارفه القدامى، وهو محامي متواضع حتى الآن اسمه تشارلي مونغر.

أصبح الاثنان على وفاق فورًا.

استمتع بافت بحس الفكاهة الموجود لدى مونغر، إلا أن الصراحة التي تمتع بها تشارلي هي التي جعلته نائبًا فعالًا لرئيس مجلس الإدارة في شركتهم الاستثمارية بيركشير هاثاواي-Berkshire Hathaway.

يقول بافت: «يقول تشارلي أن كل ما أقوم به غبي» بأكبر قدر من التقدير.

يستمر الاثنان في مناقشة جميع القرارات الرئيسية التي تؤثر على الشركة.

في بداية مسيرته، كان بافت حريصًا على استراتيجية الشراء بسعر منخفض والبيع بسعر عالي (buy low, sell high)، وهو أمرٌ تعلمه من أستاذه السابق في جامعة كولومبيا، بن غراهام.

على الرغم من أن بافت قد حقق بعض النجاح في هذا النهج، إلا أن تشارلي طلب منه إعادة النظر في عمله: «دعنا نتخلى عن هذا، ونشتري بعض الشركات الجيدة حقًا»

لذا حول بافت استراتيجيته إلى استراتيجية متسمة بالصبر وهي استراتيجية الشراء والاحتفاظ (buy and hold)، مع إيلاء اهتمام أقل بكثير لما كان يقوم عليه السوق يومها.

بل ركزوا على أساسيات الشركة طويلة الأمد.

أدى هذا إلى جعل بافت ثاني أغنى رجل في العالم، وهو لا يخجل من إعطاء نصيب الأسد من الفضل لشريك تفكيره تشارلي مونغر.

مايكل كريتون

كان لدى المؤلف الشهير مايكل كريتون العديد من شركاء التفكير طوال مسيرته المهنية: المحررين.

وفي إحدى الأيام، تلقى اتصالًا من المحرر الأدبي الشهير روبرت غاتليب، بشأن مخطوطة لرواية قدمها للتو.

غوتليب، الذي كان دائمًا صريحًا للغاية، أخبر كريتون أنه كان هناك خطأ ما في المشهد الأخير.

لقد كان معكوسًا.

في نهاية كريتون المشوقة، كان من المفترض أن تقوم إحدى الشخصيات، من أجل إنقاذ اليوم، بتشغيل مفتاح الجهاز النووي.

على الرغم من ذلك، أشار غوتليب إلى شيء لم يفكر به كريتون: «لا، لا، يجب أن يتحول المفتاح تلقائيًا، ويجب على الشخصية إيقاف تشغيله».

يعترف كريتون: «كان على حق مئة بالمئة».

على الرغم من أن كريتون لا يستمتع دائمًا بالمحادثات مع شريكه الفكري، فإنه يعلم لأنها لا غنى عنها لفنه. «أنا أعتقد أن كل كاتب يحتاج إلى وشم على جبينه، مثلما مكتوب كلمة (إسعاف) على سيارة الإسعاف، سيكون الوشم (الجميع يحتاج إلى محررين) ».

ألبرت آينشتاين

حتى ألبرت آينشتاين، الرجل الذي أمضى الكثير من حياته ضائع في أفكاره، كان لديه شريك تفكير يناقش معه أفكاره، وهو صديقه القديم ميشيل بيسو.

وكان آينشتاين يعتبره أفضل شخص في أوروبا يمكنه إخباره بأفكاره قبل نشرها للعلن.

في عام 1902، عندما واجه ألبرت آينشتاين مشكلة كانت محيرة له، جاء الى منزل بيسو وقال: «لقد جئت إلى هنا لمحاربة مشكلة معك.»

ناقش الاثنان المشكلة لساعات.

وعندما انتهى النقاش، قال آينشتاين: «شكرًا لك» وذهب.

وبعد خمسة أيام، جاء اينشتاين مرة اخرى لمنزل بيسو، وقال هذه المرة: «لدي الجواب».

بعدما يزيد على الشهر بقليل، ولدت النظرية النسبية الخاصة.

لقد استخدم أفضل العقول شركاء التفكير لمصلحتهم، لمساعدتهم في حل مشاكلهم الصعبة، واتخاذ القرارات المهمة.

ولكن جعل هذه العلاقات تنجح ليس بالأمر السهل.

فهو يحتاج إلى صفتين يفتقر لها معظم الناس.

الصفات التي يجب التحلي بها للحصول على شريك تفكير: التواضع والشجاعة.

أولئك الذين نجحوا في توظيف شركاء التفكير يواجهون الحقيقة المتواضعة بأنه بغض النظر عن مدى ذكائهم، هم ببساطة لا يملكون جميع الإجابات ولن يملكوها ابدًا.

بدلًا من ذلك، هم يقدرون حقيقة أن البشر جميعهم معرضين للأخطاء في التفكير، الأخطاء التي لا يكونوا بموقع جيد ليتعرفوا عليها.

بعد كل شيء، كما يقول المثل، لا يمكنك قراءة ما مكتوب على البطاقة الملصقة على الجرة التي تكون أنت داخلها.

ولهذا إنهم يعطون لشخص آخر بكل تواضع الإذن لتحديد هذه الأخطاء لهم.

ولكن أهم شيء، أن يمتلك هؤلاء القادرون على جني منافع شركائهم الشجاعة الكافية للتخلي عن أفكارهم العزيزة.

هذا الأمر من الممكن أن يكون صعب، بسبب مدى سهولة وقوعنا في حب أفكارنا.

أفكارنا من الممكن أن تبدو كأطفالنا، أعزاءنا.

وكيف يجرؤ الآخرون على مطالبتنا بترك أعزاءنا خلفنا.

ولكن لهذا السبب يجب علينا إتباع النصيحة الخالدة التي تعطى للكتاب الجدد: اقتلوا أعزاءكم.

بعد كل شيء ما الجيد في شريك التفكير، إذا لم نكن راغبين بالاقتناع في أفكاره؟

إذا اتضح أن نظرية دان سبيربر وهوغو ميرسير صحيحة، سيكون من الحكمة لكل شخص مهتم باتخاذ القرارات الصحيحة وحل المشاكل أن يقضي وقت أقل في التفكير لوحده، ووقت أكثر بكثير بالتفكير مع الآخرين.

على وجه التحديد، يجب علينا البحث عن هؤلاء الأفراد المستعدين لتحدينا وأن نوظفهم كشركاء تفكير.

ولكن بصورة أعم، هذا سيغير بشكل أساسي كيفية تفكيرنا فيما يخص عملية التفكير.

في المرة القادمة التي تتصور فيها مفكرًا عظيمًا، بدلًا من تخيلهم في عزلة، يفكرون تفكير عميق، يجب أن تتخيلهم جالسين على طاولة جنبًا إلى جنب مع شركائهم، يتبادلون الأفكار، يستمع أحدهم للآخر بكل اهتمام، يُقنِعون ويقتنعون.


  • ترجمة: سنان حربة
  • تدقيق: رؤى درخباني
  • تحرير: ناجية الأحمد
  • المصدر