الحياة البرية الأسترالية تثبت مرةً أخرى مدى عشوائيتها وجنونها، تشهد أستراليا ارتفاعًا ملحوظًا في معدل درجات الحرارة بالآونة الأخيرة، تجسد ذلك على شكل موجة حرٍّ عنيفةٍ كسرت الأرقام السابقة المسجلة؛ مما يهدد بحدوث حرائق شديدةٍ في الغابات الأسترالية وعلى السلطات مجابهتها.

ما زاد الطين بلةً وجود سلالةٍ قديمةٍ من الجوارح المفتعلة للحرائق تضاف لهذه القائمة الصعوبات الواجب مجابهتها .

حسب دراسةٍ جديدةٍ، وبالإضافة لعلوم سكان أستراليا الأصليين التقليدية وُصف سلوك هذه الطيور الجارحة التي تساعد بزيادة الرقعة المشتعلة من خلال رميها لأخشابٍ محترقة تحملها بمخالبها أو مناقيرها، لوحظ هذا السلوك بفصائل من الطيور الجارحة مثل الحدأة السوداء من الفصيلة البازية والصقر البني .

ما يجدر ذكره هنا هو أنَّ دراسة ومتابعة هذه الظاهرة لم تتم إلا من خلال السكان الأصليين سابقًا، إذ علق الفريق البحثي الدولي موضحًا: »على الرغم من أن فرق الجوالة من السكان الأصليين والآخرين الذين هم على خط التماس لحرائق الغابات يأخذون بعين الاعتبار ما تشكله هذه الطيور من مخاطر، إلا أنَّ بعض المسؤولين المحليين يعزونها لأسباب مثل عدم وجود آلية تخطيطٍ فعالة لإدارة المساحات الطبيعية وخطط لترميمها«.

يشكّل مثل هذا النوع من الظواهر الغريبة صدمةً لدى الأغلبية، لكنَّ الخبراء يؤكدون على حقيقة حدوثها منذ آلاف السنين إذ إنها ليست جديدة، لكن لم تتم أرشفتها وهذا ما أضافه أحد أعضاء الفريق الجيولوجي مارك بونتا من ولاية بنسلفانيا الأمريكية لمجلة ناشونال جيوغرافيك: »نحن لسنا بصدد اكتشاف أي شيء، معظم البيانات التي عملنا من خلالها كانت من السكان الأصليين الذين تعاونوا معنا وعرفوا هذه الظاهرة لما يزيد عن الأربعين ألف سنة.«

تتجمع الطيور الجارحة في مجموعاتٍ تتألف من المئات على طول جبهة المناطق المشتعلة، حيث يحلقون وسط حرائق الغابات ملتقطين العصي المشتعلة، ثم يحملونها إلى مسافةٍ تعادل الكيلومتر الواحد لمناطق لم تصلها النيران بعد, أضاف الباحثون: »تُعزى هذه المحاولات إلى هدف إشعال النيران بمناطق آمنة مثل طرف مجرى مائي أو طريق أو قاطع اصطناعي من صنع رجال الإطفاء، وبذلك تجبر جميع الطرائد على الهروب من مخابئها الأمنة .«

فيليب ويبيلدانيا روبرتس (طبيب وناشط من السكان الأصليين) هو صاحب المقالة التي كانت الشرارة التي أوحت للباحثين ببدء هذه الدراسة إذ ذكر بسيرته الذاتية: »رأيت الصقور تلتقط العصي المشتعلة بمخالبها وترميها برقعٍ جافة تبعد ما يقارب النصف ميل، ومن ثم تنتظر بمنطقةٍ مجاورة مع أقرانها الآخرين من الصقور لينقضوا على جموع الزواحف والقوارض المصابة الفارّة .«

الجانبان اللذان تنطوي عليهما الجريمة؛ أحدهما مادي والآخر ذهني، والسؤال بهذه الحالة هو هل سلوك هذه الجوارح متعمدٌ أم محض صدفة، بهذا الصدد يجيبنا الباحثون أنَّ هذا السلوك هو سلوكٌ متعمدٌ وليس فعلًا متفردًا أو ضربة حظ، بل يرقى إلى سلوكٍ منظمٍ وجماعيّ، وهو طقسٌ من طقوس صيدها.
وبناءً على هذا علق بوب غوسفورد (أحد اعضاء الفريق الأستراليين المتخصصين بعلم الأصول والطيور) لصحيفة الواشنطون بوست عام 2016 قائلًا: »إنها ليست عبثية، هناك هدفٌ يسعون إليه وكأنهم يقولون: حسنًا هناك العديدُ منا متجمعون هنا لنبحث معًا على وجبة.«

لدينا الآن قوةٌ جديدةٌ من قوة الطبيعة ذات قدرةٍ على نشر الحرائق المدمرة في حال ثبات صحة هذه الفرضية، وقد علم السكان الأصليون بها منذ القدم .

وُثِّقت الفرضية والنتائج للبحث في مجلة (إيثنوبيولوغي -Journal of Ethnobiology)


  • ترجمة: وسام الزيادات
  • تدقيق: تسنيم المنجّد
  • تحرير: رغدة عاصي
  • المصدر