تُعرَّف الهوية الجندرية «Gender Identity» على أنّها المفهوم الشخصيّ الذي يحدّده الفرد لنفسه كذكرٍ أو كأنثى (أو بشكلٍ نادرٍ لكليهما معًا، أو ليس لأيٍّ منهما)، ويرتبط هذا المفهوم ارتباطًا وثيقًا بمفهوم الدور الجندريّ «Gender Role»، والذي يُعرّف بأنّه مجموعةُ المظاهر الشخصية الخارجية التي تعكس الهوية الجندرية.

وتُحدَّد الهوية الجندرية -في جميع الحالات تقريبًا- نتيجةً لمجموعةٍ من العوامل المُتأصِّلة (أي أنها أساسية وغير مختارة) والخارجية والبيئية، بينما يتجلّى الدور الجندريّ في الطرف المقابل ضمن المجتمع من خلال عوامل يمكن ملاحظتها مثل السلوك والمظهر.

على سبيل المثال؛ إذا كان الشخص يعتبر نفسهُ ذكرًا ويجد الراحة بأن يشيرَ إلى جنسه الشخصي بمصطلحاتٍ ذكورية فهويته الجنسية بناءً على ذلك هي ذكر، ومع ذلك يُعتبر دوره الجندري ذكرًا فقط إذا كان يُظهر خصائص الذكور التقليدية أو المتعارف عليها في السلوك والملبس (الخصائص التي تُنسب للذكور بشكلٍ خاص).

وبذلك نلاحظ أنّ الدور الجندري يُشكِّل في غالب الأحوال التعبير الخارجي للهوية الجندرية، وفي معظم الأفراد تكون الهوية الجندرية والدور الجندري متوافقين، وتقييم اكتساب هذا التوافق أو إدراك عدم تواجده (كملاحظة انخراط الطفل في نشاطات تُعتبر بشكلٍ تقليدي غير متوافقةٍ مع جنسه) يُشكِّلُ أمرًا من المهمِّ ملاحظته خلال نشوء الطفل.

من المهم أيضًا معرفة أنّ الاختلافات الثقافية لها دورٌ كبيرٌ في التعبير عن الدور الجندري للفرد، وفي بعض المجتمعات يمكن أن تؤدي الفروق الدقيقة في المعايير الجندرية المقبولة دورًا في تعريف الهوية الجندرية.

ومن التعاريف التي ينبغي توضيحها هي الفرق بين الجندر والجنس؛ فالأول هو تعريف الشخص لذاته على أنّه أنثى أو ذكر أو ثنائي الجنس (Intersex)، أمّا الثاني هو ما يُحدَّد بالاعتماد على الأعضاء التناسلية أو الأعضاء التناسلية المحتمل امتلاكها سواءً كان ذلك تبعًا للنمط الظاهريّ أو الجينيّ.

والجنس يتضَّح عادةً عند الولادة بالنظر إلى المظهر الخارجي للأعضاء التناسلية بسبب الافتراض الشائع بأنها تُمثّل دائمًا النمط الوراثي وحالة الأعضاء التشريحية الداخلية.

وعند ملاحظة حالة الأفراد ثنائيّي الجنس –الذين يولدون غالبًا بأعضاء جنسية مبهمة أو غير واضحة- لدى أي وليدٍ جديدٍ تُقيَّم حالة الوليد واختيار أحد الجنسين بهدف تبسيط التفاعلات الاجتماعية والتربية.

تشير الأدلة السريرية إلى أنّ الأطفال يولدون بالفعل مع شعورٍ كامنٍ أساسيّ بالهوية الجندرية، بعدها توفر الحياة المبكرة توجيهاتٍ وتأثيراتٍ قد تؤكّد أو تُغيِّر هذا الانحياز في الدماغ، وعادةً يسير الأمر نحو هويةٍ ودورٍ جندري متلائمين أو متوافقين، أمّا السلوكيات المغايرة للجنس فتحدث عندما تُعبِّر الهوية الجندرية عن نفسها لاحقًا في حياة الطفل بشكلٍ لا يتوافق مع جنسه البيولوجيّ.

وبشكلٍ عام تكون المفاهيم المتعلقة بالجندر مرنةً عند الأطفال، إذ يبدو أنّ الأطفال دون سن الخمس سنوات لا يدركون مفهوم ثبات الجندر، وكمثالٍ على ذلك؛ يمكن أن يسأل طفلٌ ما دون سن المدرسة معلمته فيما إذا كانت صبيًا أو فتاةً عندما كان صغيرًا، أو قد يقول بأنّه يريد أن يصبح أمًا عندما يكبر.

والأبحاث تدعم هذه المرونة المبكرة في المفاهيم المتعلقة بالجندر لدى الأطفال، ففي أحد الدراسات التي شملت أطفالًا بعمر ما قبل المدرسة، عرضت فيها عالمة النفس «ساندرا بيم- Sandra Bem» عليهم صورًا لأطفالٍ صغار، بحيث يكون الطفلُ عاريًا في الصورة الأولى.

وفي الثانية يظهر بزيٍّ من المتعارف عليه أنه يتوافق مع جنسه (كالفساتين والضفائر بالنسبة للفتيات، والقمصان وحمل كرة قدم للفتيان)، وفي الثالثة يكون بزيٍّ من الشائع أن يكون موافقًا للجنس المعاكس.

ثم قامت بسؤالهم إذا كان الأطفال في الصورة الأولى والثانية فتيانًا أم فتيات، أمّا حول الصورة الثالثة فأخبرتهم بأنّ الأطفال فيها يرتدون زيَّهم كجزءٍ من لعبة أزياء، ثم قامت بسؤالهم فيما إذا كانوا يعتقدون أنّ الأطفال في الصورة الثالثة فتيانًا أم فتيات مع الحرص على أن تكون الصور الأولى – حيث يكون فيها الطفل عاريًا- مرئية.

وكانت النتيجة أنّ جزءًا كبيرًا من الأطفال بين عمر ثلاث وخمس سنوات قد أجابوا باعتقادهم أنّ الصبي الذي يرتدي زيَّ مؤنثٍ في الصورة الثالثة قد أصبح الآن فتاةً بالفعل، ووجدوا أنّ الأطفال قادرين على تمييز الجنس في الصورة الثالثة فقط إن كانوا على معرفةٍ أنّ الأعضاء الجنسية هي من تساهم في وصف الذكور والإناث.

بحثٌ آخرٌ يقترح أنّ مفهوم الطفل للجندر يتطوّر تدريجيًا بين الثالثة إلى الخامسة من العمر، ومعظم الأطفال بعد ذلك يعتقدون أنّ التغييرات الخارجية في الملبس والشعر لا تُشكِّل تغييرًا في الجندر، وما إن بدؤوا بالتفكير في الجندر كصفةٍ مستقرةٍ سيدخلونه ضمن هويتهم الخاصّة.

وخلال هذه الفترة، يصبح الطفل أكثر حماسًا ليتواصل مع آخرين من نفس مجموعته ويسعى للحصول على معلوماتٍ أكثر متعلقةً بالجندر، وغالبًا ما يصبح صارمًا في التقيُّد في القوالب النمطية الجندرية، وكمثالٍ على ذلك؛ يُفضِّل الأطفال في تلك الأعمار اللعب مع أفراد جندرهم، كما يُفضِّلون النشاطات والألعاب المرتبطة بشكلٍ نمطيٍّ وتقليديّ مع هذا الجندر، ويستمر الأمر كذلك إلى أن يصبحوا بين السابعة والعاشرة من العمر، حينها يغدون أكثر مرونةً وأقل صرامةً حول ذلك.

إذن، التعرّف على الهوية الجندرية هو عمليةٌ متتابعةٌ وليس حدثًا واحدًا مميزًا، والاختلاف عن المعايير الاجتماعية التقليدية يمكن أن يسبب الضرر للطفل وعائلته، وعلى ذلك يجب أن نتذكّر أنّ الصبغيات التي نحملها تحدد جنسنا البيولوجيّ؛ لكنها ليست العوامل الوحيدة في تحديد الهوية الجندرية.


  • ترجمة: دانيا الدخيل.
  • تدقيق: تسنيم المنجّد.
  • تحرير: رؤى درخباني.

المصدر

مواضيع ذات صلة: