من الجبال إلى النجوم، والبشر، كل الأشياء التي من حولنا مكوَّنة من ذراتٍ صغيرةٍ، وما سنتحدث عنه لاحقًا هو ما سيجعلنا متيقنين من حقيقة وجودهم.

إن الذرات صغيرةٌ جدًا، وفي منتهى الصغر، وربما تكون على علمٍ بأن الأشياء مكونةٌ من حِزمٍ من تلك الأشياء الصغيرة المسماة بالذرات، كما أنك قد تكون على درايةٍ بأنه لا يُمكنك رؤية تلك الذرات بالعين المُجردة، ولقد وضعنا كامل ثقتنا في فكرة أن الأشياء مصنوعةٌ من ذراتٍ تتفاعل مع بعضها البعض، وتُعد البنية الأساسية لعالمنا.

ويُعتقد أن مُعظم الناس لا يرون ذلك بالأمر الجيد، ولطالما كان العِلم يفخر دومًا بطريقته التي يستخدم فيها المشاهدة الحقيقية لحل ألغاز الكون، إذًا كيف استنتجنا أن الذرات موجودة؟ وكيف توصلنا لبنيتها الأساسية؟

قد يبدو للبعض أن هناك طريقة بسيطة لإثبات وجود الذرات بصفتها مكوِّنًا للأشياء من حولنا، فقط ضعهم تحت المجهر، ولكن هذه الطريقة لن تثمر بشيءٍ، حتى أقوى المجاهر الضوئية على وجه الأرض، لا يُمكنها رؤية ذرةٍ واحدة.

وما يجعل الشيء ممكنًا الرؤية، هو قدرته على عكس موجات الضوء الساقطة عليه، والذرات أصغر بكثيرٍ من الطول الموجي للضوء المرئي، حتى أنهما لا يتفاعلان مع بعضهما البعض، وبطريقةٍ أخرى، يُمكننا قول إن الذرات غير المرئية للضوء نفسه، ومع ذلك إن للذرات بعض التأثيرات المرئية على بعض الأشياء التي يُمكننا رؤيتها.

منذ مئات السنين، وفي عام 1785م، كان هناك عالم دنماركي يُدعى (جان انجونهاوس)، كان يدرس ظاهرةً غريبةً، لم يستطع أن يجد تفسيرًا منطقيًا لها، إذ كان يجد جزيئاتٍ دقيقة من غبار الفحم، تغطي بعض أسطح الكحول في معمله.

الضوء المرئي لا يمكنه رؤية الذرات المفردة

” حتى أقوى المجاهر الضوئية على وجه الأرض لا يُمكنها رؤية ذرةٍ واحدةٍ “

وبعد خمسين سنةٍ أخرى، وفي عام 1827م، لاحظ عالم النبات (روبرت براون) شيئًا غريبًا مشابهًا، لما لاحظه (جان)، وكان يُسلط مجهره على بعض حبوب اللقاح؛ لدراستها، وقد لاحظ (براون) أن بعض الحبوب، أطلقت جسيماتٍ أخرى أصغر، تغادر حبوب اللقاح مبتعدةً في حركةٍ راقصةٍ عشوائيةٍ، واعتقد (براون) في البداية، أنَّ هذه الجسيمات، هي نوعٌ من الكائنات الحية المجهولة حتى وقته، ولكنه أعاد التجربة، وهذه المرة، مع مادةٍ أخرى كالغبار الصخري، وهو يعلم تمام العلم أنه ليس بكائنٍ حي، ومع ذلك شاهد (براون) الظاهرة نفسها، بتلك الحركة الغريبة ذاتها ثانية.

وقد تَطلَّبَ الأمر حوالي قرنًا من الزمان؛ ليتمكن العلم من وضع تفسيرٍ منطقيٍ لهذه الظاهرة، وجاء (أينشتاين) بصيغةٍ رياضية، تتنبأ بالحركة الغريبة لتلك الجسيمات الدقيقة، التي تمت تسميتها فيما بعد، بـ (الحركة البراونية)، نسبةً إلى مكتشفها (روبرت براون)، وكانت نظرية (أينشتاين) تقول: إن تلك الجزيئات الصغيرة التي تنطلق من حبوب اللقاح، تتحرك بتلك الطريقة؛ لأنها تتصادم باستمرارٍ مع جزيئاتٍ أصغر حجمًا من الماء الذي يتكون من الذرات.

” قد يكون أمرًا مفاجئًا حينما تعلم أن الذرة يُمكن شطرها، خاصةً حينما تعلم أن كلمة ذرة (atom) تعني: غير القابلة للتجزئة “

يقول (هاري كليف) من جامعة كامبريدج، أمين متحف لندن للعلوم:” إنه- يقصد أينشتاين – يُفسر الحركة الراقصة التي تراها، أنها بسبب تلك التصادمات المستمرة بين جزيئات الماء الصغيرة المفردة، وجزيئات الغبار أو أي كان ما لديك في السائل”.

وفي عام 1908م، عادت المشاهدات العملية مرةً أخرى، ومعها الحسابات الدقيقة التي أكدت أن الذرات باتت أمرًا حقيقيًا، وفي خلال عقدٍ من الزمان، استطاع الفيزيائيون اكتشاف ما هو أكثر من ذلك، إذ استطاعوا دراسة الملامح الرئيسة للبنية الداخلية للذرة المفردة.

قد يبدو الأمر مفاجئًا – كما سبق- إذا علمت أن الذرة يُمكن شطرها، خصوصًا عندما تعلم أن كلمة ذرة (atom) تعود تسميتها للكلمة اليونانية القديمة (atomos) وهي في معناها: غير القابل للتجزئة، ولكن العلماء يعلمون الآن أنَّ الذرات ليست كرة صغيرة صلبة مصمتة، ومن الأفضل أن تتخيلها أنظمةً كهربائيةً كوكبيةً صغيرة، تتكون من ثلاثة مكونات رئيسية، هي: بروتونات، ونيترونات، وإلكترونات، وتخيل أن البروتونات والنيترونات معًا يكونان الشمس أو النواة، أما الإلكترونات فهي الكواكب الدوارة.

الذرات مصنوعةٌ من جسيماتٍ أصغر حجمًا

إذا كانت الذرات صغيرةً جدًا، فإن مكوناتها في منتهى الصغر، ومن المُضحك أنَّ أول ما تم اكتشافه من مكونات الذرة، كان أصغرها، وهو الإلكترون، ولتكون الصورة واضحة أمامنا بشكلٍ كافٍ حول الأحجام هنا، لك أن تعلم أن البروتون الموجود داخل النواة، أكبر من الإلكترون الذي يدور حولها بحوالي 1830 مرة، إنها تمامًا تشبه خرزةً صغيرة الحجم، تدور حول بالون الهواء الساخن، وهذا هو الفرق في الأحجام الذي نحن بصدده هنا.

” إنها واحدةٌ من أولى مُسرعات الجسيمات في التاريخ “

ولكن كيف يُمكننا أن نعرف أن تلك الجسيمات موجودةً بالفعل؟ الإجابة، هي: لأنه وبالرغم من صغرها إلا أنه يُمكنها أن تُحدث تصادماتٍ كبيرة.

إن الفيزيائي البريطاني (ج ج تومسون) مُكتشف الإلكترونات، استخدم طريقةً خاصةً، مُلفتةً للنظر؛ ليُثبت وجود تلك الجسيمات عام 1897م، وجهازه الخاص كان يُدعى أنبوبة كروك، وهو عبارة عن أنبوبة من الزجاج، تم تفريغ معظمها من الهواء بواسطة آلة مخصصةٍ، ثم قام بتسليط شحنةٍ كهربائية سالبةٍ في أحد طرفي الأنبوبة، وكانت هذه الشحنة كافيةً؛ لتحرير إلكترونات ذرات الغاز المتبقية داخل الأنبوبة، والإلكترونات سالبة الشحنة أيضًا؛ لذلك فإنها تحركت باتجاه الطرف الآخر للأنبوب، وبفضل التفريغ الجزئي للأنبوب، استطاعت الإلكترونات أن تتحرك خلال الأنبوب، دون أن تصطدم بذراتٍ كبيرةٍ في طريقها.

جعلت الشحنة الكهربائية الإلكترونات، تتحرك بسرعةٍ كبيرةٍ، حوالي 37,000 ميل بالثانية، (59,000 كم بالثانية)، حتى اصطدمت بالجدار الزجاجي في الطرف الآخر للأنبوب، فاصطدمت بإلكتروناتٍ مرتبطةٍ بذراتٍ أخرى، والتصادم بين تلك الجسيمات الصغيرة جدًا، أطلق كميات طاقة كبيرة، حتى أنه أظهر وهجًا مبهرًا بين اللون الأصفر والأخضر.

أنبوبة كروك

يقول (كليف):” إنها واحدةٌ من أولى مُسرعات الجسيمات في التاريخ، فهي تُسرِّع الإلكترونات من أحد طرفي الأنبوب؛ لتصطدم بحائط على الجهة الأخرى من الأنبوب؛ لتُعطي هذا اللون الفسفوري الجميل”.

” اكتشاف الإلكترون، جعلنا على يقينٍ بأن هناك الكثير حول الذرات لنبحث عنه “

ولأن (تومسون) اكتشف أنه يُمكنه فعليًا توجيه مسار حزمة الإلكترونات تلك عن طريق المغناطيس والمجالات الكهربائية، فقد علم أنه ولابد أن تكون تلك الجسيمات مشحونةً، وليست مجرد أشعة غريبةٍ من الضوء، وإذا كنت تتساءل، كيف يُمكن لإلكترونات أن تطير منفردةً مُستقلة بعيدًا عن ذراتها، فإن هذا يحدث نتيجةً لعملية تُدعى (التأين) وفيها تتغير البنية الأساسية للذرة عن طريق فقدها لإحدى إلكتروناتها في الفضاء المحيط بها؛ نتيجة تعرضها لشحنةٍ كهربائيةٍ خارجيةٍ.

وفي الحقيقة، يحدث هذا؛ لأن الإلكترونات يسهل التلاعب بها وتحريكها بعيدًا عن ذراتها، ومن هنا تمكننا من تصنيع الدوائر الكهربائية المُختلفة، والإلكترونات في الأسلاك النحاسية تتحرك من ذرة نحاسٍ لأخرى، كما لو كنت تتحرك بين عربات القطار، وهذا ما يجعل الشحنة الكهربائية تنتقل من أحد طرفي السلك للطرف الآخر، إذًا الذرات ليست أشياءً مُصمتة، صغيرة الحجم، ولكنها أنظمةٌ يُمكن تعديلها، أو يُمكنها أن تخضع لتغييرات في البنية الأساسية.

المصابيح الكهربائية تتوهج نتيجة تدفق الإلكترونات

وقد فتح اكتشاف الإلكترون الباب أمام الكثير من الأشياء التي لم نكن على علمٍ بها عن بنية الذرة، وأثبتت تجارب (تومسون)، أن الإلكترونات سالبة الشحنة، ولكنه كان على علمٍ بأن الذرة ككل لا تمتلك شحنةً، وفسَّر ذلك، بأن الذرة لابد وأن تحتوي على جسيماتٍ غامضةٍ موجبة الشحنة، تقابل الشحنة السالبة للإلكترونات، فتلغي تأثيرها.

” لقد برهن على وجود نواةٍ عالية الكثافة في مركز كل ذرةٍ “

عرَفت التجارب في بداية القرن العشرين، هذه الجسيمات موجبة الشحنة وفي الوقت نفسه، كشفت عن البنية الداخلية للذرات، ووضع (إيرنست راذرفورد) وزملائه، رقاقةً معدنيةً تحت إشعاعٍ موجب الشحنة، مُكونٌ من جسيماتٍ صغيرةٍ، ومُعظم جسيمات الإشعاع، اخترقت الرقاقة المعدنية كما كان يتوقع (راذرفورد)؛ نتيجة صِغر سُمك تلك الرقاقة، وكانت المفاجأة، حينما ارتدت بعض الجسيمات في عكس اتجاه الإشعاع، وفسَّر (راذرفورد) تلك التجربة، بأن ذرات تلك الرقاقة المعدنية لابد وأن تحتوي على منطقةٍ صغيرةٍ عالية الكثافة موجبة الشحنة.

فلا شيء آخر لديه القدرة على عكس اتجاه جسيمات ذلك الإشعاع القوي بتلك الدرجة، وبهذه التجربة اكتشف (راذرفورد) الشحنة الموجبة داخل الذرات، وفي الوقت نفسه، برهن على أن تلك الشحنة الموجبة مُجتمعة في كتلةٍ صغيرةٍ بعيدًا عن مسار الإلكترونات، وبمعنى آخر، برهن على وجود نواةٍ عالية الكثافة في مركز كل ذرةٍ.

” فقد فيزيائي جامعة كامبريدج (جيمس شادويك) الأمل في اكتشاف النيترون “

ومع ذلك لا تزال هناك مشكلة، ففي الوقت الحالي يُمكننا حساب كتلة نواة أي ذرةٍ، ولكن بالوضع في الحسبان ما كان معروفًا حول مدى وجوب ثِقل الجسيمات التي توجد داخل النواة، ففكرة أنَّ جميع الجسيمات داخل النواة كانت موجبة الشحنة تبدو غير منطقية، ويُفسر (كليف) ذلك قائلًا: إن “ذرة الكربون تحتوي على ستة إلكترونات ومن ثم، ستة بروتونات تقابلها داخل النواة، ستة شحناتٍ سالبة مقابل ستة شحناتٍ سالبة، ولكن نواة ذرة الكربون لاتزن ما يعادل ستة بروتونات، ولكنها تزن ما يعادل 12 بروتون”، وفي البداية كان يُعتقد أن تلك الجسيمات الستة الزائدة الموجودة داخل النواة، لديها كتلة البروتونات نفسها، ولكنها متعادلة الشحنة (النيترونات)، ولم يستطع أحد إثبات ذلك، وفي الحقيقة، لم تُكتشف النيترونات قبل ثلاثينيات القرن الماضي.

جميع الأشياء من حولنا مصنوعةٌ من الذرات

فقد فيزيائي جامعة كامبريدج (جيمس شادويك) الأمل في اكتشاف النيترون، وقد عمل على ذلك أعوامًا عديدةً، حتى تحقق له ما أراد عام 1932م.

” في ثلاثينيات القرن الماضي تعرفنا على الكثير من الحقائق حول الذرة، ولكن لم يستطع أحدٌ وضع تصورٍ مُحددٍ للذرة “

وقبل ذلك بأعوامٍ قليلةٍ، أجرى فيزيائيون آخرون تجاربًا باستخدام الإشعاع (الإشعاع نفسه الذي استخدمه راذرفورد لاكتشاف النواة) على ذرات البريليوم، وأطلق البريليوم إشعاعًا آخر خاصًا به، ولم يكن الإشعاع موجبًا أو سالب الشحنة، مما جعله قادرًا على اختراق المعدن أكثر، وفي الوقت نفسه، عمل آخرون على أشعة جاما تلك، فقد كانت متعادلة الشحنة، وتخترق المعادن أكثر وأكثر.

لذلك افترض الفيزيائيون أن تلك هي الأشعة التي أطلقتها ذرات البريليوم، ولكن (شادويك) لم يشعر بالارتياح لتلك الفكرة، فصنع إشعاعًا جديدًا خاصًا به، ووجهه نحو مادةٍ كان يعلم أنها غنيةً بالبروتونات، وعلى غير المتوقع، تتشتت البروتونات مُنطلقةً في الهواء بعيدًا عن ذراتها؛ وذلك لأنها صُدمت بجسيماتٍ لها الكتلة نفسها، فكان الأمر مثل كرات البلياردو حينما تصطدم ببعضها البعض، ولا يمكن لأشعة جاما تشتيت البروتونات بتلك الطريقة.

لذلك تأكد (شادويك) أن تلك الجسيمات التي يدور حولها السؤال، لابد وأن تكون كتلتها نفس كتلة البروتونات، ولكنها لا تمتلك شحنةً كهربائية، وبالفعل كانت النيترونات، إن كل المكونات الرئيسية للذرة تم اكتشافها، ولكن القصة لم تنتهي هنا.

 ” يُمكنك أن تعمل على إيجاد تصورٍ فعليٍ للذرة عن طريق نكزها! “

على الرغم من أننا اكتشفنا الكثير والكثير حول الذرة أكثر من ذي قبل، إلا أن مشكلة تصور الشكل العام للذرة ظل قائمًا، وبالعودة لثلاثينيات القرن الماضي، لم يستطع أحدًا وضع تصورٍ للشكل العام للذرة، الأمر الذي يرغب الكثير من الناس رؤيته؛ ليستطيعوا تقبُّل فكرة وجودهم من الأساس، والأهم من ذلك، أنَّ تلك التقنيات التي استخدمها العلماء، مثل: (تومسون)، و(راذرفورد)، و(شادويك)، مهدت الطريق أمام ابتكار أجهزةٍ جديدةٍ ساعدتنا في النهاية إلى الوصول إلى الشكل العام للذرة، فحزمة الإلكترونات التي أنتجها (تومسون) في تجربته (أنبوبة كروك)، أثبتت أن لها أهميةً خاصةً، واليوم مثل هذه الحِزم، يتم إنتاجها عن طريق المجاهر.

وأقوى مجهر من ذلك النوع، يُمكن استخدامه في تكوين صورٍ للذرات المفردة، ويرجع السبب إلى أنَّ الطول الموجي لحزم الإلكترونات هذه، أقصر بآلاف المرات من الطول الموجي لِحزم الضوء العادية، فهي قصيرةٌ لدرجة أن الإلكترونات في تلك الحزم يُمكنها أن تحيد بعد اصطدامها بالذرات الدقيقة؛ لتُنتج لنا صورًا واضحة للذرة على عكس حزم الضوء.

يقول (نيل سكيبر) من جامعة كلية لندن: “مثل هذه الصور مفيدةٌ جدًا لأولئك الذين يرغبون في دراسة البناء الذري لذرات بعض المواد الخاصة، كالتي تُستخدم في صنع بطاريات السيارات الكهربائية، فكلما عرفنا أكثر عن التركيب البنائي للذرة، كلما استطعنا تصميم بطارياتٍ أكثر كفاءةً واعتماديةً”.

مجاهر القوة الذرية يمكنها أن ترى الذرات المفردة

ويُمكنك أن تعمل على إيجاد تصورٍ فعليٍ للذرة عن طريق نكزها، وهذا هو مبدأ عمل مجاهر القوة الذرية.

” في السوائل، كلما رفعت حرارتها كلما تمكنت من رؤية التكوينات غير المنتظمة للذرات “

إن الفكرة هنا، هي إحضار مقدمة مجسٍ صغير الحجم جدًا بالقرب من سطحٍ مُركَّبٍ أو سطح أي مادة، وبمثل هذا القرب، يمكن للمجس أن يكون بالغ الحساسية للبنية الكيميائية للنقطة التي يشير لها، وعن طريق التغير في المقاومة، كلما تحرك عبر سطح المادة، ويُمكن للعلماء إنتاج صورٍ لما تبدو عليه جزيئات تلك المادة، ومؤخرًا، نشر مجموعةٌ من الباحثين صورًا رائعةً لجزيءٍ قبل وبعد التفاعل الكيميائي باستخدام تلك الطريقة.

ويُضيف (سكيبر): “العديد من الأبحاث حول الذرة اليوم، تكتشف كيفية تغير بنية الأشياء أثناء تعرضها للضغط العالي أو الحرارة العالية، ومعظمنا يعرف أن المواد تتمدد بارتفاع درجة حرارتها، والآن يمكننا رؤية التغيرات على المستوى الذري لتلك المواد التي تجعل أمر تمددها ممكنًا، وفي السوائل، كلما رفعت حرارتها كلما تمكنت من رؤية التكوينات غير المنتظمة للذرات، ويُمكنك رؤية ذلك مباشرةً من خلال الخريطة البنائية للذرات”.

يمكن لـ (سكيبر) وباقي العلماء، دراسة تكوين الذرات باستخدام حزم النيترونات التي تم استخدامها أول مرة في ثلاثينات القرن الماضي عن طريق (شادويك).

” يمكنك التعرف على الذرات عن طريق الكشف على طاقة أشعة جاما فقط “

يقول (سكيبر): “ما نفعله هنا، هو إطلاق حِزمٍ من النيترونات على كتل المواد المختلفة، ومن خلال أنماط التبعثر الناتجة، يُمكنك أن تستنتج أن تلك النيترونات حادت عن طريقها، نتيجة نواة الذرات التي تقع في طريقها، ويمكنك أيضًا إيجاد الكتلة والحجم التقريبي لنواة تلك الذرات، التي سببت تبعثر النيترونات”.

ولكن، الذرات ليست دومًا مستقرةً، وتجلس هناك بكل هدوءٍ تنتظر من يأتي ليتفحصها، إن الذرات أحيانًا ما تضمحل أو تتحلل، مما يعني أنها ذرات مُشعَّة، وهناك العديد من العناصر التي تُشع طبيعيًا، وهذه العملية تُطلق كمياتٍ من الطاقة التي تُعد أساس الطاقة النووية، والقنابل النووية أيضًا، وغالبًا ما تحاول أبحاث علماء الفيزياء النووية فهم التفاعلات التي تحدث لنواة الذرات، وتؤدي لتغيراتٍ رئيسية كهذه.

ذرات اليورانيوم يمكنها أن تنقسم على ذرتين

تقول (لورا هاركنس بيرنان) من جامعة ليفربول، المتخصصة في دراسة أشعة جاما -هي نوع من الأشعة التي تنبعث من الذرات التي تتحلل-: إن الذرة المشعة لنوعٍ معين من المواد، تُنتج شكلًا معينًا من أشكال أشعة جاما، وهذا يعني أنه يُمكنك التعرف على الذرات عن طريق الكشف عن طاقة أشعة جاما المنبعثة منها فقط، وهذا بالضبط ما تفعله (هاركنس بيرنان) في مختبرها.

” لم نكتشف حتى الآن حقيقة ماهية الذرة، ولكننا تأكدنا فقط من أنها بناءٌ معقدٌ في قمة روعته”

تقول (هاركنس بيرنان): “أنواع المجسات التي يُمكنك استخدامها، هي التي تسمح لك بالكشف عن وجود الإشعاع، وأيضًا يُمكنها قياس طاقته؛ وذلك لأن كل نواة لها بصمة مميزة”، ولأنه يُمكن أن توجد جميع أنواع الذرات في تلك المنطقة التي تم الكشف فيها عن إشعاع، خاصةً بعد حدوث تفاعلٍ نوويٍ كبيرٍ من نوعٍ ما، ومن المهم جدًا المعرفة بدقةٍ أي النظائر المشعة التي تتواجد، وهذا النوع من الكشف عادةً ما يُجرى في مصانع الطاقة النووية، أو بالمناطق التي حدثت بها كوارثٌ نوويةٌ.

إن (هاركنس) وزملاؤها، يعملون على ابتكار أنظمةٍ كشف، يُمكن تركيبها في مكانٍ ما؛ لتعرض صورًا ثلاثية الأبعاد؛ لمعرفة أين يتواجد الإشعاع، فقد يتواجد في غرفةٍ معينة، تقول (هاركنس): “كل ما تريد فعلها هو امتلاك تقنياتٍ وأدواتٍ تسمح لك بتصوير صورة ثلاثية الأبعاد، وتخبرك أن الإشعاع في تلك الغرفة أو في ذلك الأنبوب”.

” بالنظر إلى مدى صغر حجم الذرة، فإنه من المدهش كمُّ الفيزياء التي يمكننا إيجادها فيها “

يمكن تصوير الإشعاع أيضًا في (غرفة السحاب)، وهذه تجربةٌ خاصةٌ، يتم فيها تبريد بخار الكحول إلى 40 درجة سيليزية، مما يُنتج سحابةً حول مصدر الإشعاع، والجسيمات المشحونة بالإشعاع تطير بعيدًا عن مصدر الإشعاع، فتطرد الإلكترونات من جزيئات الكحول، ويتسبب هذا في تكثف بخار الكحول إلى قطرات على مسار الجسيمات المُشعة، ونتائج هذا النوع من الكشف مذهلةٌ حقًا.

ولم نكتشف حتى الآن حقيقة ماهية الذرة، ولكننا تأكدنا فقط من أنها بناءٌ معقدٌ في قمة روعته يُمكنه أن يخضع لتغييراتٍ مدهشةٍ، يحدث معظمها طبيعيًا، وبدراسة الذرة بتلك الطريقة، تمكنَّا من تحسين تقنياتنا، وتسخير طاقة التفاعلات النووية، وفهم العالم الطبيعي من حولنا بصورة أفضل، وأيضًا تمكنَّا من حماية أنفسنا من الإشعاعات الضارة بصورةٍ أفضل، واكتشفنا كيف يُمكن للمواد أن تتغير تحت الظروف القاسية المختلفة.

تقول (هاركنس برينان) مختتمةً حديثها: “بالنظر إلى مدى صغر حجم الذرة، فإنه من المدهش كمُّ الفيزياء التي يمكننا إيجادها فيها”.

إن كل شيءٍ يمكننا رؤيته من حولنا مصنوعٌ من تلك الأشياء الصغيرة، ومن الجيد أن نعرف بوجودها، فكل شيء جُعل ممكنًا.


  • ترجمة: محمد خالد عبدالرحمن
  • تدقيق: رجاء العطاونة
  • تحرير: أحمد عزب

المصدر