تحدثنا في الجزء الأولى من هذه السلسلة عن الزمان والمكان إلى الزمكان وسنتبع في مقالنا الثاني من هذه السلسلة لنتحدث عن الزمن في لبنات الكون

كثيرًا ما نود أن نعود بالزمن إلى الوراء (أقول ذلك بصفتي قد فرغت لتوي من تنظيف بعض الحليب المسكوب).

بالنسبة لنا، يمشي الزمن في خطىً ثابتة إلى الأمام.

مما يجعلنا نتعجب كثيرًا حين نعلم أن الزمن لا يمضي قدمًا إلى الأمام فقط و لكنه يمكنه التحرك إلى الوراء أيضًا، وفقًا للمعادلات التي تحكم الفيزياء الأساسية.

تقول «مارينا كورتيس – Marina Cortês»، عالمة الكون من المرصد الملكي في إدنبرة: «في الرياضيات كل شي جميل جدًا و متماثل، فحتى المعادلات الأساسية في الفيزياء يمكن عكسها بالنسبة للزمن».

يبدو الأمر كما لو كنت تشاهد فيلمًا بترتيب أحداثه الطبيعي أو بترتيب أحداث معكوس (إلى الأمام أو إلى الخلف).

اعتبر أنك تشاهد فيديو لمجموعة من الأحداث مثل سكب كوب من الحليب، من السهل أن تستنتج أن الفيلم يتحرك إلى الأمام زمنيًا حينما ترى أن الحليب يُسكب ويتطاير رذاذه، وحينما نعود بالأحداث إلى الخلف سترى أن الحليب يعود مرة أخرى إلى الكوب.

هذا الحدث يعد تتويجًا لكثير من العمليات الفيزيائية التي تحكمها معادلات مختلفة، مثل المعادلات التي تحكم الجاذبية، والقوة التي حركت بها الكوب بمحتواه، وقوانين ميكيانيكا الموائع التي تتحكم في سلوك الحليب.

تبدو الأمور مختلفةً قليلًا على مستوى قوانين الفيزياء الكلاسيكية، كقوانين الحركة لنيوتن التي تعلمتها في المدرسة.

افترض أنك حركت جسمًا عن طريق التأثير عليه بقوة ما؛ فمن خلال قانون نيوتن الثاني للحركة فإنه توجد قوة مساوية في المقدار ومضادة في الاتجاه سوف تعكس إتجاه الحركة.

إذا كنت تشاهد فيلمًا عن حركة هذا الجسم، ولنفترض أنه كرة تتحرك بنعومة على الأرض، لا يمكنك أن تحدد إذا كان الفيلم شغال إلى الأمام أو إلى الخلف (بتتابع الأحداث الأمامي، أو الخلفي). فالفيزياء الكلاسيكية ليس فيها أفضلية لحركة الزمن إلى الأمام.

لبنات الزمن

أحد الحجج الأساسية للبنات الزمن هو تماثل الزمن.

لبنة الزمن هو كل من الأزمنة (الماضي، الحاضر، والمستقبل) الموجودة في لبنة رباعية الأبعاد من الزمكان المعروفة باسم لبنة الكون.

إذا كنا نعيش في لبنة الكون، فإن تصورنا للزمن على أنه مجرد تقدم إلى الأمام بمعدل ثابت هو مجرد وهم، «بدعة رياضية للفيزياء».

قد يبدو هذا الأمر مفاجئا، ولكن هذا المفهوم غير البديهي للبنة الزمن هو نتيجة مباشرة لواحدة من أنجح نظريات الفيزياء: نظرية آينشتاين العامة للنسبية، والتي قُبِلَت من قبل المجمع العلمي كواحدة من أكثر النظريات المحكمة وصفًا للطبيعة بالمقياس الكوني.

ولكن تماثلية الزمن هي نقطة خلاف بين «كورتيس» والفيزيائيين الآخرين.

«يبدو لي أن الفيزيائيين منكبين على مكاتبهم ينظرون إلى هذه الملاحظات المليئة بالرياضيات، و هم يديرون ظهورهم نحو العالم».

لا يوجد موضوع آخر في العلوم له معادلات متماثلة بالنسبة للوقت.

«الكيمياء، علم الأحياء، أو أبعد من ذلك: علم النفس أو الاقتصاد، هناك اتجاه واضح جدًا للوقت في كل تلك المواضيع.»

تصف معادلات النسبية العامة فيزياء الكون الذي نعيش فيه، لكنه ليس كوننا الوحيد الممكن.

هناك الكثير من الحلول المختلفة للمعادلات، ولكل منها وصف لكون محتمل.

إن التماثل في معادلات النسبية العامة يعني أن بعض الحلول تصف كونًا حيث يزيد الزمن، أو يتقدم إلى الأمام، بينما تصف بعض الحلول كونًا يتناقص فيه الزمن أو يرجع إلى الوراء.

إن هذا التماثل أحد المبادئ الأساسية للبنات الزمن، ليس ثمة ماضٍ أو حاضر أو مستقبل، لكن الزمن كله موجود داخل لبنات الكون.

تقول كورتيس : «لكن الكون لا يتصرف بهذا الشكل، وعمليًا نحن نتخلص من نصف الحلول»، تشير بذلك إلى تلك الحلول التي تصف الكون مع تناقص الزمن.

إذا كان جزء من جمال النظرية هو التماثل الجميل للمعادلات، فلماذا نتخلص من نصف الحلول لهذه المعادلات؟
«هناك تفسيرات غير مُرْضِية للغاية عن لماذا نتخلص بملء إرادتنا من تلك الحلول التي تقول بتناقص الزمن، والتفسير المشترك هو القول بأن الزمن لابد و أنه يتحرك إلى الأمام لأن كوننا بدأ في الانفجار الكبير، الذي كان حالة خاصة جدًا لتواجد الكون فيها.

من النظام إلى الفوضى

المبرر الواضح لتفضيل الحلول التي يتزايد فيها الزمن، وحتى تفسير تجربتنا الشخصية مع الزمن الذي يتحرك دائمًا إلى الأمام فقط، يأتي من القانون الثاني للديناميكا الحرارية.

يقول هذا القانون أن الإنتروبيا (Entropy) -مقياس الفوضى في النظام- تزداد دائما.

هناك انتقال لا مفر منه من النظام إلى زيادة الفوضى.

إحدى الاستعارات المفضلة لدينا هو مكتبنا الفوضوي.

مرارًا و تكرارًا ييئس زميلنا «أوين» من عدم ترتيب مكاتبنا، ويلقى بكل ما عليها في سلة المهملات، لتصبح مكاتبنا كومة مرتبة من الأوراق والكتب.

يمكننا الحفاظ على مكتبنا في وضع مرتب للغاية، من خلال إنفاق الكثير من الطاقة في ترتيب أوراقنا، ووضع أقلامنا بعيدًا و إلقاء أكواب القهوة والشاي، لكننا فضلنا أن ننفق طاقتنا في التحدث مع أشخاص محفزين مثل كورتيز عن أمور شيقة مثل لبنات الزمن و لبنات الكون، و من ثم تتحول مكاتبنا نحو الفوضى طبقا للقانون الثاني من الديناميكا الحرارية.

يعطي القانون الثاني للديناميكا الحرارية تفسيرًا للعمليات التي يبدو أنها لا رجعة فيها.

يمكن تفسير معظم العمليات التي لا رجعة فيها التي نتعرض لها من خلال نظام يبدأ بترتيب عال بحيث تكون الإنتروبيا فيه منخفضة جدًا.

عند فتح حزمة من البطاقات تبدو منظمة ومرتبة رقميًا بحسب أعدادها، ولكن مع خلط ورق اللعب في كل مرة، فإنها تصبح أكثر وأكثر فوضوية.

لا يمكنك أن تتخيل خلطها مرة أخرى في الترتيب المحدد الذي بدأت منه، وهو أمر مستبعد بشكل كبير! بدلًا من ذلك عليك أن تبذل جهدًا و تبدأ بفرز البطاقات من جديد، واحدة تلو الأخرى.

لقد بدأ كوننا بالمثل في حالة من الترتيب العالي، مثل الإنفجار العظيم.

تقول كورتيس: «يكاد يشبه ذلك الأكسجين في الغرفة، بدلا من أن ينتشر في أرجاء الغرفة متجانسًا بحيث يمكن للجميع تنفسه، تتركز جزيئات الأكسجين في زاوية صغيرة من الغرفة، بعد ذلك الزمن الإبتدائي تبدأ الجزيئات في الانتشار في جميع أنحاء الغرفة لأن هذه هي الطريقة الوحيدة التي تتحرك بها، إنها لا يمكنها العودة إلى حالتها الابتدائية من الإنتروبيا المنخفضة».

يمكنك التفكير في الكون اعتمادًا على الاحتمالات: وجود النظام في هذا الترتيب العالي مستبعد جدًا. فعندما يترك النظام وحده يتطور بطبيعته إلى حالة أقل ترتيبًا (أكثر إنتروبيا).

تقول كورتيس: «ليس هناك أي سبب لكي تكون جميع الجزيئات في زاوية واحدة من الغرفة، لأنه من غير المحتمل أن تكون الجزيئات على هذه الحالة.

وإذا وجدت غرفة على هذه الحالة سوف تسأل بطبيعة الحال، لماذا الجزيئات معلقة في الأركان؟»».

لماذا الأمر مميز هكذا؟!

يمكن استخدام نفس الحجة لشرح لماذا يتحرك الزمن إلى الأمام في كوننا. تقول كورتيس: «الوقت يمضي قدما لأننا بدأنا في الانفجار العظيم، هذه حالة خاصة جدًا».

يمكن تشبيه ظروف الانفجار الكبير، مجازًا، إلى مثالنا على جميع جزيئات الأكسجين في غرفة بدءًا من الأكسجين المضغوط في مساحة صغيرة في الزاوية.

وتضيف: «إن خصوصية هذه الحالة هي غير محتملة بشكل كبير، إذ أن احتمالها حوالي 10-90».

يمكن كتابة احتمال 10- 90بهذا الشكل:
0.00000….001
بحيث يوجد 89 صفرًا بين العلامة العشرية والواحد)، وهناك طريقة أخرى لتوضيح ذلك، وهي أن هناك 1090 من الطرق التي يمكن أن ينشأ بها الكون، واحدة فقط من هذه الحالات أدت إلى ظهور كوننا.

في الواقع في جميع الاحتمالات الأخرى لن نكون هنا.

وتقول كورتيس: «إن الكون يتابع ببساطة القانون الثاني للديناميكا الحرارية. إن الإنتروبيا في تزايد، وهذا هو أساس الزمن».

لذلك، في داخل لبنات الزمن، حركة الزمن الأمامية في كوننا يمكن تفسيرها بأن الكون بدأ في مثل هذه الحالة النادرة الحدوث – الإنفجار العظيم-.

بالعودة إلى استعارتنا عن الجزيئات في الغرفة: يمكن فهم سلوك الجزيئات باستخدام قوانين الحركة التي يكون فيها الزمن متماثلًا.

عدم التماثلية في الزمن تأتي من الجزيئات التي تبدأ حركتها من زاوية الغرفة.

وبالمثل لدينا الكون يحكمه معادلات الوقت المتماثلة، ولكن مع بداية الانفجار العظيم أدى ذلك إلى ما نعانيه من عدم تماثلية الزمن؛ ليس هناك عودة في لبنة كوننا.


  • ترجمة: مصطفى العدوي
  • تدقيق: أحمد اليماني
  • تحرير : رغدة عاصي
  • المصدر