توظيف عالِمِ فيزياء لفنٍ قديمٍ، أعطى حلولًا جديدة لحزم التلسكوبات والأكياس الهوائية.

مِن النادر بالنسبة لفن قديم وجود قواعد تحكم تنفيذه.

فالنَحّات حُرّ في اختيار المادة التي سيستخدمها، وتحديد حجم القطعة النهائية لمنتجه.

لا أحد يملي على الرسامين ما عليهم رسمه من محتوى أو استخدامه من أسلوب، كلّ ذلك بالتأكيد هو اختيارهم الكامل.

قد نجد أنماطًا ثابتة أو تصنيفات وأشكال لدى بعض الفنون، إنمّا القواعد ليست أمرًا شائعًا.

ساعة وقواق الغابة السوداء – Black Forest Cuckoo Clock لروبرت لانغ عام 1987

في الناحية الأُخرى، يُعدّ الأوريجامي، فن طي الورق الياباني القديم، مُثيرًا للاهتمام بسبب قيوده.

فنماذج الأوريجامي التقليديّة، يجب أن تُطوى مِن ورقة واحدة، دون استخدام تقنيات القصّ أو اللصق، وباتّباع هذه الآلية تنشأ تشكيلة رائعة: حيوانات مِثل الغزال والحِمار الوحشي، أجسام بشرية، أدوات موسيقية، وحتّى الطائرة الشبح الحديثة طُويت بالكامل مِن ورقة واحدة.

ليس من العجيب أن يُسمَّى الأوريجامي (فن الاقتصاد).

فُقدت أصول الأوريجامي الدقيقة إلى الأبد.

بالرغم مِن أنّ الورق كان يُطوى في أشكالٍ عديدة من أجل احتفالات النُبلاء والأثرياء في بدايات الجزء الأخير مِن التاريخ الياباني الكلاسيكي (Heian Period) خلال (794 – 1185 ميلاديًا)، فما يُمكننا اعتباره اليوم (أوريجامي ترفيهي) لا يبدو أنّه تطوّر حتى مُنتصف القرن السّابع عشر، أو رُبما قبل ذلك بقليل.

استغرق ظهور ما يُمكننا القول بأنّه أول كتاب عن الأوريجامي مئتي عامٍ أخرى.

(Sembazuru Orikata – كيفية طي 1000 رافعة)، نُشرَ سنة 1797.

ظهر مُعلّمو أوريجامي مُعاصرون في القرن العشرين والحادي والعشرين أيضًا، لكنّ اثنان منهم فقط يستحقان الإشادة بِهِما.

الخُنفساء المُفصّلة لروبرت لانغ – Allomyrina dichotoma تمت بداية بدأ تشكيلها عام 2014

الأول هو أكيرا يوشيزاوا (Yoshizawa Akira)، الذي يُعتبر على نطاق واسع المُعلّم الأكبر للأوريجامي، فقد صمم عشرات الآلاف مِن نماذج الأوريجامي، وهو من أحيا ذلك الفن في الخمسينيات.

بالإضافة إلى تصميماته الجميلة، وضع يوشيزاوا النظام التخطيطي والرسوم التوضيحية (الديغرامات) التي تمثّل الخطوط والأسهم التي تشير إلى سلسلة خطوات الطي.

تسمح هذه الرسوم التوضيحية والمخططات لطاوي الورق أو المتعارف عليهم بالأوريغاميّين باتّباع تعليمات الطّيّ من خلال قراءة نظام الخطوط دون الحاجة إلى معرفة اللغة اليابانية أو أيّ لُغة أخرى تشرح ذلك.

مازال نظام يوشيزاوا مُستخدمًا، مع إدخال بعض التعديلات والإضافات الصّغيرة لاحقًا.

كافأ الإمبراطور هيروهيتو، عام 1983، يوشيزاوا بمنحه (وسام الشمس المُشرِقة – The Order of The Rising Sun) –أحد أسمى الأوسمة في اليابان– لارتقائه بالثقافة اليابانية.

شكّل طيّ ساعة طائر الوقواق إلهامًا في عالم الأوريغامي

المُعلّم المُعاصر الثاني هو روبرت لانغ.

بينما كان يتدرّب على الفيزياء والهندسة، تعرّف لانغ على الأوريجامي في سِن السّادسة.

وفي هذه المرحلة، كان يصمّم نماذج أوريجامي أصيلة، استمر في دراسته للأوريجامي في ظل وجوده بجامعة ستانفورد وحصوله على الدكتوراه في الفيزياء التطبيقية مِن معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا.

مكّنه هذا المزيج المتكوّن مِن اهتماماته العلمية وحُبّه للأوريجامي مِن تطوير تصميمات وأساليب مُدهشة.

بالعودة أربعين عامًا إلى الوراء، نجد أنّ الأوريجامي بشكل عام كان يتّخذ نفس الشكل المُنَمَّق الذي كان عليه في مطلع القرن.

لم يكن أحد ليصنع حشرةً مِن الأوريجامي مُشابهةً للحقيقية.

في الواقع، حاول القليل من محترفي طيّ الورق تصميم حشرات أوريغامي في التسعينيات، وكان من الصّعب جدًّا آنذاك طيّ أشكال ذات صورة حيّة مشابهة للواقع.

وهذا ما استطاع لانغ تحقيقه بكل تأكيد.

باستخدام الحاسوب من أجل التّصميم ومجهودات لانغ وبعض الفنانين الآخرين، بدأ الشكل التقليدي للفن يتيح طيّ حشرات وقشريّات وعناكب شديدة الواقعية، بالإضافة إلى مئات التصميمات الأُخرى التي أُهملت سابقًا ونُظر إليها على أنّها مُستحيلة.

طيّ لانغ لساعة طائر الوقواق مِن ورقة واحدة في أواخر الثمانينات، جعلته إلهامًا في عالم الأوريجامي.

كانت هذه مُجرّد واحدة مِن ضِمن الكثير من ابتكارات لانغ واكتشافاته.

ترك لانغ وظيفته باعتباره فيزيائيًا في Silicon Valley communications التابعة لشركة JDS Uniphase عام 2001، مُرّسًا وقته للأوريجامي، دون أن يعزل نفسه بالكامل عن عالم العلوم، فقد استمر ارتباطه بالهندسة والعلم مِن خلال بحثِه في الأوريجامي.

تشاور لانغ مع مُصَنّعي أجهزة السلامة في السّيّارات حول الطّريقة الأمثل لتخزين أكياس الهواء، وعَمل مع أعضاء من معهد لورانس ليفمور الوطني (Lawrence Livermore National Laboratory) على الطريقة الأفضل لملائمة تلسكوب بصري طوله 30 مترًا داخل مُجسّم صاروخ دون خدش غشاء العدسة الهش، وصمم حقيبة مُعدّات طبّية مُعقّمة دون أن تُلوَّث.

بالتقاء نهري الرياضيات والأوريجامي، آمن لانغ الذي لم يكن قد بلغ سن الثلاثين أنَّ استمرارية البحث في ذلك الفن سوف تُقدِّم المزيد.

المشاكل التي نحلّها بهدف إضفاء قيمة جمالية فقط، تتحول مع الوقت لتمتلك تطبيقات في العالم الحقيقي.

وتمامًا كما يبدو عليه الأمر من غرابة، فقد ينقذ الأوريجامي حياة أحدهم يومًا ما، يقول لانغ.


  • ترجمة: بسام محمد عبد الفتاح
  • تدقيق: ملك عفونة ومينا أبانوب
  • تحرير: طارق الشعر
  • المصدر