يؤمن الكثير من الناس بواحدة من الأفكار السائدة في العالم، والتي تقول بأن كل واحد منا تسكنه روح عاشت حياة سابقة على مر التاريخ، ولكن هل هذا صحيح؟

إن مثل هذه الفكرة التي تبدو رائعة، كما عند الممثلة شيرلي ماكلين و دالاي لاما ) الزعيم الروحي للبوذية التبتية والحاكم الروحي والدنيوي للتبت(، تحتاج إلى النظر في صحتها، ومدى التثبت من حقيقتها علميًّا.

إن إثبات أن أي شخص عاش قبل أن يولد ليس أمرًا سهلًا – كما يُظن-؛ لأنه قد تأتي أدلة قوية ذات تفاصيلَ نادرة ومعلومات عن حياتهم الماضية لا أحد آخر يعرفها، والأفضل لهذه الأدلة أن تكون علامة تفسر سبب اختفاء الروح السابقة التي حلت محلها الروح اللاحقة، وعلى سبيل المثال، إذا ادعى شخص ما أنه كان أميليا إيرهارت، أو جيمي هوفا في حياة سابقة، أو ناتالي هولواي بعد سنوات من الآن، فيمكنه أن يفسر بوضوح الأسرار المحيطة بمصيرهم.

بالرغم من كثرة المعتقدات التي يعتقدها الناس بشأن ظاهرة التقمص هذه، إلا أن عددًا قليلًا منهم يقول بوجود ذكريات قديمة له في حياته السابقة، وغالبا ما يكون سبب ظهور هذا النوع من الذكريات آلية علاج يستخدما الأطباء النفسيون أثناء علاج مرضاهم، تعرف بــ اسم (الانحدار إلى الحياة الماضية)، وهي آلية فاقدة لمصداقيتها، مثير استخدامها للجدل، عن طريقها ظهرت أفضل حالة للتقمص.

برايدي ميرفي

تعد برايدي ميرفي أكثر الحالات شهرة في ادعاء عيش حياة سابقة، وهي امرأة من كولورادو تدعى “فرجينيا تيغي”، قالت بأنها كانت في حياة سابقة سيدة ايرلندية تعود إلى القرن التاسع عشر، واسمها برايدي، وكان هذا الادعاء عام 1952م، أثناء جلسة تنويم مغناطيسي قام بها رجل الأعمال المحلي موري برنشتاين، وفيها سردت تيغي سردت تيغي ذكريات ذات صلة بوجودها السابق في أوائل القرن التاسع عشر في كورك بإيرلندا مستخدمةً اللهجة الايرلندية، ذاكرةً تاريخ ميلادها الذي في العشرين من ديسمبر عام 1789م، وحياتها وزواجها، ثم موتها عام 1864م.

وتبدو هذه القصة للوهلة الأولى مقنعةً جدًّا، فتيغي لم تذهب أبدًا إلى إيرلندا، ومن المفترض أنها لم تكن قادرة على معرفة الكثير من التفاصيل التي ذكرتها إلا من خلال عيشها قبل قرن من ذلك الزمان.

وكان برنشتاين قد كتب كتابًا من أكثر المؤلَّفات مبيعًا، وهو: “البحث عن برايدي مورفي”، تناول فيه قضية التقمص هذه، وسجلت ميرفي بقصتها تلك أكبرَ ضجةٍ في جميع أنحاء العالم.

نظرة فاحصة

لم يكتب لقصة برايدي ميرفي النجاح الدائم، فقد بدأت بالانهيار عندما ذهب صحفيون لإيرلندا يتحققون من مدى صحة هذه القصة، فلم يجدوا أي دليل واقعي يثبت حدوثها، ويؤكد صحة الذكريات التي أدلت بها أثناء التنويم، مع أن بعض البيانات العامة كانت قد أثبتت صحة هذه الحادثة، إلا أنها انتفت برحلة البحث التي قام بها الباحثون الاستقصائيون السابق ذكرهم، ولم يجد الباحثون وراء هذه الحادثة سجلات برايدي ميرفي في التاريخ الذي ولدت وتوفيت فيه، والناس الذين قالت تيغي أنها لاقتهم عندما كانت برايدي ميرفي لم يكونوا موجودين، ومن ضمنهم زوجها وغيره.

والظاهر أن برنشتاين أثناء نشر كتابه “البحث عن برايدي مورفي”، كان قد أهمل التحقق من صحة هذه الادعاء الذي أدلت به فرجينيا، والتثبت من الحقائق التاريخية التي جاءت في اعترافها المدَّعى، واندفع مستغلًّا وراء الشهرة والأرباح التي حققتها هذه القضية.

و تم الاكتشاف في وقت لاحق أن تيغي وهي طفلة صغيرة، كانت قد أمضت وقتًا مع جارة إيرلندية مهاجرة، ومن ثم فإنه ليس من قبيل الصدفة أن يكون اسمها برايدي ميرفي، ومن المرجح أنها التقطت منها بعض التفاصيل عن إيرلندا، بجانب اكتسابها اللهجة الايرلندية.

يعتقد بعض الناس أن تيغي زورت عمدًا القصة التي ذُكرت، والظاهر أن قصة مثل هذه، تم خلقها دون وعي بواسطة الخيال، واستخدام قصاصات من الذكريات المبكرة.

وقد أثبتت عدة عقود من البحوث النفسية أن الناس تحت التنويم المغناطيسي يتمكنون من خلق قصص واقعية مفصلة بصيغة المتكلم، لأحداث لم يعيشوها أبدًا، وقد بيّن العلماء أن الاعتقاد بوجود التقمص مرتبط بأخطاء في الذاكرة، ويصل الشخص بذلك إلى حد تصديق الاعتقاد الذي يصوره خياله الرائع، ويتم ذلك في كثير من الأحيان تحت تشجيع من بعض المعالجين المضلِّلين، وتساعد العملية النفسية ذاتها على تفسير العديد من قصص “شهود العيان” للاختطاف الفضائي.

وتوقف بعض الرياضيات البسيطة أيضًا فكرة الحياة السابقة، وأن لكل شخص روح أو شبح يتحرك عبر الزمن بين الأجيال والقرون.

إن أفضل تقدير يتم فيه تسجيل عدد الأشخاص الموجودين على وجه الأرض هو ما يقارب السبع مليارات، وفي حوالي القرن التاسع عشر، كان هناك أقل من مليار نسمة موجودين على الأرض، ومن هنا يتم التساؤل: من أين جاءت “الأرواح الجديدة” البالغ عددها ستة مليارات نسمة خلال المائتي سنة الماضية؟، هل كان للناس بداخلهم ست أنفس في زمن أجدادنا العظماء؟، وإذا تم افتراض أن ذكريات الناس عن حياتهم الماضية كانت دقيقة، فإنه من المحير إمكانية أكثر من شخص ادعاء أنهم كانوا الشخصيات الشهيرة نفسها، أمثال: مارلين مونرو، ونابليون، وإذا كانت “أفضل الحالات” للتقمص تنهار تحت الفحص الدقيق، فإنه من غير المحتمل أن تكون ربات البيوت الحديثات، اللواتي يدَّعِينَ أنهن جان دارك، أو كليوباترا أية مصداقية.

إن التقمص صناعة سهلة، يقوم فيها الخبراء ببيع الكتب حولها، وإعطاء ندوات فيها، وتقديم تقنيات وآليات علاجية – الانحدار للحياة الماضية-، يخضع لها المرضى السذج، ويصدقونها.

وطالما أن الأرواح تبدو بأنها تأتي وتذهب، سوف تبقى قصص التقمص دائمًا معنا.


  • المترجم: كيرلس يوسف نجاح
  • المدقق: رجاء العطاونة
  • تحرير: يمام اليوسف
  • المصدر