نظرية المجموعات تنجو بأعجوبة

لنفترض أنك تمشي في مواجهة محل الحلاق يومًا ما، ثم رأيت لافتة تقول: «هل تحلق لنفسك؟!، إن لم تكن تحلق لنفسك، تعال وسوف أحلق لك! أنا هنا لأحلق لأي شخص لا يحلق لنفسه، وليس لأي شخص آخر».

هذا يبدو عادلًا بما فيه الكفاية، وبسيطًا إلى حد ما، حتى تسأل نفسك السؤال التالي: هل الحلاق يحلق لنفسه؟

إذا فعل، فهذا غير جائز، لأنه لا يحلق للرجال الذين يحلقون لأنفسهم، ولكنه لو كان لا يحلق لنفسه، فلابد أن يفعل، لأنه يحلق للرجال الذين لا يحلقون لأنفسهم… وهلم جرا.

كلا الاحتمالين يؤديان  إلى التناقض.

هذه هي مفارقة الحلاق، التي اكتشفها عالم الرياضيات، الفيلسوف والرافض لتأدية الخدمة العسكرية  «برتراند راسل- Bertrand Russel »، في بداية القرن العشرين.

كما ذُكِر، الأمر يبدو بسيطًا، قد تعتقد أن القليل من التفكير سيهديك طريقة حل الموضوع.

في أسوأ الأحوال، يمكنك أن تقول فقط «حسنًا، شرط الحلاق غير مناسب، عليه إذًا أن يقرر لمن سيحلق بطريقة مختلفة».

لكن في الحقيقة، فإنه عند صياغة المشكلة في صورة ما يسمى بنظرية المجموعات «الساذجة»، فقد كشفت مفارقة الحلاق مشكلة ضخمة، وغيرت بالكامل من اتجاهات الرياضيات في القرن العشرين.

في نظرية المجموعة الساذجة، المجموعة هي مجرد جمع من الأشياء التي تحقق شرطًا ما، ويٌعتَقَد أنه لكل شرط مصوغ بشكل واضح توجد مجموعة، ألا وهي مجموعة الأشياء التي تحقق ذلك الشرط.

إليك بعض المجموعات:

  •  مجموعة كل الدراجات النارية الحمراء.
  •  مجموعة كل الأعداد الصحيحة الأكبر من الصفر.
  •  مجموعة كل الموز الأزرق، التي هي مجرد مجموعة فارغة!

بعض المجموعات لا تنتمي لذاتها (أي ليست عضوًا في ذاتها)، على سبيل المثال، مجموعة كل الدراجات النارية الحمراء.

لكن هناك بعض المجموعات التي تنتمي لذاتها، على سبيل المثال، مجموعة كل ما هو ليس دراجات نارية.

الآن ماذا عن مجموعة من جميع المجموعات التي لا تنتمي لأنفسها (ليست أعضاء أنفسهم)؟

هل تنتمي لنفسها أم لا (هل هو عضو في ذاته أم لا)؟

إذا كانت تنتمي لذاتها، فهي ليست كذلك، وإذا لم تكن تنتمي لذاتها، لذا فهي تنتمي لذاتها.

تماما مثل الحلاق الذي يحلق لنفسه، ولكن لا ينبغي له، وبالتالي لا يحلق لنفسه، وبالتالي لابد أن يحلق لنفسه!

حتى الآن ندرك أن مفارقة حلاق راسل تعني أن هناك تناقضًا في قلب نظرية المجموعات الساذجة.

أي أن هناك حالة (س) تصبح هي ونفيها (نفي س) صحيحة.

الحالة الخاص هنا هي «مجموعة كل المجموعات التي ليست أعضاء أنفسهم (لا تنتمي لذاتها) و تحتوي نفسها».

ولكن بمجرد أن يكون لديك تناقض، يمكنك إثبات أي شيء تريد، فقط باستخدام قواعد الاستنباط المنطقية!

هكذا ستسير الامور:

  1.  إذا كان (س) صحيحًا، و(ص) هو أي حالة آخرى، فإن (س) أو (ص) صحيح تمامًا.
  2. وبما أن (نفي س) صحيح أيضًا، فإن (نفي س) أو (ص) أو (س) صحيح كذلك.
  3.  لذلك فإن (ص) صحيح، أيًا ما كانت حالته.

أثارت المفارقة احتمالات مخيفة أن الرياضيات كلها تقوم على أسس هشة، وأنه لا يمكن الوثوق بأي دليل.

في جوهرها،  المشكلة أن بحسب نظرية المجموعات الساذجة، يمكن استخدام أي شرط متماسك لتحديد مجموعة.

في حالة مفارقة الحلاق، فإن الشرط هو «يحلق لنفسه»، ولكن مجموعة كل الرجال الذين يحلقون لأنفسهم لا يمكن بناؤها، على الرغم من أن حالة تبدو واضحة بما فيه الكفاية، لأننا لا نستطيع أن نقرر ما إذا كان ينبغي أن يكون الحلاق داخل أو خارج المجموعة.

وكلاهما يؤدي إلى تناقضات.

لقد تركزت محاولات إيجاد طرق للالتفاف حول المفارقة على تقييد أنواع المجموعات المسموح بها.

اقترح راسل نفسه «نظرية الأنواع» التي يتم ترتيب الجمل فيها بشكل هرمي.

في أدنى مستوى جمل عن الأفراد.

في المستوى التالي جمل حول مجموعات من الأفراد.

في المستوى التالي، جمل حول مجموعات من مجموعات من الأفراد، وهلم جرا.

وهذا يتجنب الحديث عن مجموعة كل المجموعات التي ليست أعضاء في أنفسها (لا تنتمي لأنفسها)، لأن جزأي الجملة من أنواع مختلفة ، أي على مستويات مختلفة.

و لكي نُكَوِّن فلسفة مُرضية، علينا أن نكون قادرين على قول لماذا لا يسمح بخلط المستويات.

على سبيل المثال، ليس صحيحًا أن خاصية كون الشيء أحمر هي في حد ذاتها حمراء، هذه بالتأكيد عبارة خاطئة، أكثر من كونها جملة بلا معنى.

وفي المقابل هناك خصائص يبدو من المنطقي تطبيقها على نفسها، فنظرية الأنواع لا تسمح بجملة مثل: «من اللطيف أن تكون لطيفًا»، ولكنها في الحقيقة جملة منطقية تمامًا.

لهذا السبب وأسباب أخرى، فإن الهروب الأكثر تفضيلًا من مفارقة راسل هو ما يسمى «مسلمة زيرميلو – فرينكل – Zermelo-Fraenkel axiomatisation » لنظرية المجموعات.

تقيد هذه المسلمة الفرضية الخاصة بنظرية المجموعات الساذجة، وهي أنه لو أعطيت شرطًا ما، يمكنك دائمًا خلق مجموعة من خلال جمع العناصر التي تتبع  هذا الشرط بدقة.

بدلًا من ذلك، تبدأ مع كيانات فردية، وخلق مجموعات منها، ثم العمل تصاعديًا.

وهذا يعني أنك لا يجب أن تفترض وجود مجموعة كل المجموعات، مما يعني أن ليس عليك محاولة تقسيم تلك المجموعات إلى المجموعات التي تحتوي على نفسها (تنتمي إلى نفسها)  وتلك التي لا تنتمي لنفسها.

لديك فقط القدرة على تخليق هذا التقسيم لعناصر أي مجموعة معينة، والتي تكونت من كيانات فردية من خلال مجموعة من الخطوات.

ولكي ننتهي بملاحظة هزلية، إذا كان راسل كان على دراية بالتحيز الجنسي الذي يحمله في ثنايا لغته على أيامه، فربما غير ذلك مسار الرياضيات في القرن العشرين؛ هنالك حل سهل لمفارقة الحلاق، والتي لا تتطلب التطرق إلى حلول معقدة.

فقط لو فكر في جعل الحلاق امرأة!


  • ترجمة: مصطفى العدوي
  • تدقيق: أحمد اليماني
  • تحرير: طارق الشعر
  • المصدر