الأجسام المضادة تتبع الطريقة الداروينية في مكافحة الأمراض

إذا كنت تظن أن الانتقاء الطبيعي يقتصر على الكائنات الحية كوحدةٍ مستقلةٍ فقط، فعليك التفكير مجددًا. لقد تم توضيح الانتقاء الطبيعي في العديد من العمليات التي تحدث في الوحدات الأصغر من الكائن الحى الكامل، مثل تكوّن الأورام، أو مقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية، ولكن ربما يظل أكثر الأمثلة جمالًا على هذا الانتقاء هو مايحدث للجهاز المناعي أثناء تكوين الأجسام المضادة عند مواجهة مرضٍ ما.

كل من درس شيئًا عن علم المناعة يعلم أن الأجسام المضادة يتم إنتاجها من خلايا البلازما (خلايا B النشطة) عند مواجهتها لمرضٍ ما. حيث أن خلايا B تمتاز بوجود مستقبلات معينة عليها مثل BCR و CD79 والتي تنشط حين تقابل جسمًا غريبًا وتقوم بتحفيز هذه الخلايا على التحول لخلايا ذاكرة أو خلايا نشطة تُسمى خلايا بلازما. تركيب الأجسام المضادة في حد ذاته يُعد أحد أشهر التراكيب المعروفة في علم الأحياء، حيث أنه يتكون من سلسلتين ثقيلتين الوزن وسلسلتين خفيفيتين الوزن من الأحماض الأمينية، وفي نهاية كل سلسلة من هذه السلاسل الأربعة توجد منطقة تختلف اختلافًا شاسعًا بين كل جسم مضاد والآخر، تُسمى Variable Region أو V، وهو اسم مُعبر عن صفته بدرجةٍ كبيرةٍ.

السبب الأساسي-والذي علمه العلماء منذ فترات طويلة- لهذا الاختلاف في منطقة V هو أن الأحماض الأمينية المختلفة ترتبط بمسببات مرض مختلفة، ولذا تستطيع خلايا البلازما أن تقوم بتكوين وإفراز جسم مضاد معين لكلِ مرضٍ معينٍ. وبذلك يتم تجنب أن يقوم هذا الجسم المضاد بالتسبب في ضرر في جسم العائل. ولكن ظهرت مؤخرًا أهمية أخرى مدهشة لهذا الاختلاف في منطقة V.

لاحظ العلماء أنه بمجرد أن يقوم المرض بتنشيط خلية B لتصبح خلية بلازما، فإنه سرعان مايزداد معدل الطفرات داخل تلك الخلية hypermutation. وتتركز تلك الطفرات في منطقة V لتقوم بجعل خلايا B المتعددة (والتي تتخصص في مواجهة نفس المرض) تقوم بإفراز أجسام مضادة مختلفة (رغم أنها أيضًا تحارب نفس المرض). لذا فإن هذه الأجسام المضادة تكون محددة لمرضٍ معينٍ وليس غيره، ولكن تلك الطفرات الكثيرة والسريعة تتسبب في جعل الأجسام المضادة تكتسب قوى ارتباط متفاوتة مع مسبب المرض. حيث أنه تقوم بعض الطفرات بتقليل قوى التجاذب بين V في الجسم المضاد الناتج وبين مسبب المرض. ولكن تقوم بعض الطفرات الأخرى بزيادة قوى التجاذب تلك بشدة، وبذلك تعوق المرض بصورة أفضل. من الجدير بالذكر أن مسبب المرض يتكاثر داخل الجسد ولذا فعلى الأجسام المضادة أن تقوم بزيادة فاعليتها وقوتها لكي تستطيع الانقضاض على كل مسببات المرض تلك ومنعها من إلحاق الضرر بالعائل.

هنا يأتي دور الانتقاء الطبيعي:
-الأجسام المضادة التي أدت الطفرات إلى قلة تجاذبها مع مسببات المرض يتم التهامها بواسطة الخلاية الملتهمة القابلة للاصطباغ tingible body macrophage لأنها تصبح أقل فائدة في مكافحة المرض ولكي يتم الاستفادة بالأحماض الأمينية الموجودة بها.
-الأجسام المضادة التي أدت الطفرات إلى ازدياد جاذبيتها مع مسببات المرض تبقى وتصبح أقوى في مكافحة المرض كما أنه الطفرات الإضافية عليها قد تؤدي إلى زيادة تجاذبها مع مسببات المرض بصفة أكبر حين تتكرر هذه العملية المدهشة.

لذا فإن الانتقاء الطبيعي يعمل حتى على المستوى الخلوي في جهاز المناعة لكي ينتقي الأجسام المضادة التي ستكون أكثر فعالية في القضاء على المرض، ولكي يدمر الأجسام المضادة التي لن ترتبط بالمرض والتي سيكون عبئًا على الجسد أن يقوم بتصنيعها في فترة الحرب المهمة تلك.

[divider] [author ]Amr Khaled[/author] [divider]

المصدر