ربما مررت بذلك الشعور الغريب الذي يُراودك عندما تعتقد أن شخصًا ما يُراقبك.

بالرغم من عدم معرفتك السبب وراء ذلك، إلا أنك تقتنع فجأةً بأن شخصًا ما ينظر باتجاهك! حتى وإن كنت وحيدًا في منزلك…

هل هذا الأمر مجرد خدعة يُمارسها دماغنا؟ أم أننا في الواقع نُحسُّ بوجود شيءٍ ما حقًا؟

وفقًا للعلم، فقد نكون مُحقين في الواقع.

فبفضل الدراسات التي أُجريت على أشخاص يعانون من إعاقات بصرية، أصبحنا نعلم أن الدماغ لديه قدرة غامضة على الشعور بما يحدث من حولنا، حتى وإن لم نكن «نرى» ذلك في الواقع.

يُبيِّن توم ستافورد (Tom Stafford) لبرنامج المستقبل التابع لشبكة BBC أن الأبحاث أظهرت بأن العينين تستقبلان المعلومات بشكلٍ يفوق ما يتم معالجته من قِبل قشرتنا البصرية – وهي الجزء من الدماغ المسؤول عن الرؤية الواعية.

وقد أُجريت إحدى الدراسات التي نُشرت في عام 2013 على أحد الأفراد الذكور – وقد أُعطي الرمز TN– وهو أعمى من ناحية القشرة البصرية، ممّا يعني أن عينيه كانتا تعملان بشكلٍ طبيعي، ولكن القشرة البصرية كانت متضررة، لذلك فهي غير قادرة على أداء وظيفتها المعتادة في توفير «البصر» بالمعنى التقليدي.

هذا يعني أن الشخص الأعمى من ناحية القشرة البصرية لا يمكنه رؤية ما حوله، لكن الدماغ لا يزال يتلقى المعلومات من العين. يمنحنا هذا الأمر فرصة لمعرفة ما تنظر إليه أعيننا لدرجة أبعد مما نراه.

وقد تم عرض صور لوجوه أمام TN، بعضها لأشخاص ينظرون مباشرةً في وجهه، وبعضها الآخر لأشخاص ينظرون بعيدًا عنه.

لم يتمكن TN من رؤية هذه الصور بشكلٍ واعي على النحو الذي نرى فيه كتابًا أو منظرًا طبيعيًا، لكن العلماء لاحظوا زيادة في النشاط ضمن اللوزة الدماغية (amygdala) عندما كان الأشخاص في الصور ينظرون مباشرةً نحوه.

تعتبر اللوزة الدماغية الجزء من الدماغ المسؤول عن الإحساس بالخوف وبالمشاعر الأخرى، وهو المسؤول كذلك عن التعرف على الوجوه.

فهل يمكن أن تكون أدمغتنا مُدرَّبة على الإدراك اللاواعي لشخصٍ ما يُحدق نحونا حتى وإن كان ذلك فقط في رؤيتنا المحيطية؟

إن الشعور بتحديق شخص ما نحونا والمستند على أدلّة بصرية غير واعية يُعتبر مدعومًا بأبحاثٍ أخرى، والتي تُبيّن أننا نستطيع التمييز ما بين النظرة المباشرة وما بين النظرة البعيدة عنا منذ أن كانت أعمارنا تبلغ 4 أشهر.

وتعتبر القدرة على معرفة أن هناك شخصًا ما يراقبنا من المهارات الاجتماعية الهامة، بحسب عالمة النفس إلان شريرا (Ilan Shrira)، فهي تساعدنا على التواصل وعلى نقل المعلومات، الأمر الذي قد يُفسّر قيام الدماغ بتطوير مثل هذه الحيلة الهامة.

وبالتالي، فإن القدرة على الشعور بأننا مُراقَبين تتحقق فقط إذا كان مَن يراقبنا يقع في مكان ما ضمن مجال رؤيتنا العامة، فبينما نكون قادرين على التقاط النظرة المباشرة نحونا لا إراديًا، فإن هذا الأمر يحدث كليًا بواسطة عيوننا، إذ لا نملك زوجًا ثانيًا من العيون غير المرئية في الجزء الخلفي من رؤوسنا.

بينت العديد من التجارب أننا لا نستطيع في الواقع معرفة فيما إذا كان شخصٌ ما يراقبنا من الخلف، على الرغم من أننا نشعر بذلك أحيانًا.

لكن العلم لديه بعض التفسيرات البسيطة حول السبب الكامن وراء شعورنا بأن شخصًا ما يُراقبنا من الخلف، بينما نستدير لنشاهد شخصًا يقوم بذلك بالفعل!

أحد هذه التفسيرات يكمن في أن الشخص الذي يراقبنا لاحظ أننا نستدير نحوه فنظر إلينا بدوره.

أي أن السبب هو أننا قمنا بالاستدارة!

وهناك تفسير آخر لهذه الظاهرة وهو أن هناك علامة طفيفة نبهتنا لوجود شخص آخر.

ويمكن أن تكون هذه الإشارة عبارة عن إنعكاس داخل مجال الرؤية الخاص بنا أو صوت خافت وراءنا.

وتقترح دراسة أُجريت عام 2013 في جامعة سيدني في أستراليا أننا مستعدون أيضًا لافتراض أن الناس يراقبوننا كنوع من آليات الدفاع.

وجدت هذه الدراسة أن الناس يميلون إلى افتراض أنهم مُراقَبين عندما تكون العلامات البصرية غير حاسمة، كأن يرتدي شخصٌ ما بالقرب منّا نظارات داكنة تُخفي عينيه.

يُفسر عالم النفس من جامعة سيدني كولين كليفورد (Colin Clifford) هذا الأمر قائلًا: «إن تصوُّرنا بأن هناك من ينظر إلينا لا يتضمن فقط العلامات البصرية، إذ تقوم أدمغتنا بتوليد افتراضات من تجاربنا الشخصية ثم مطابقتها مع ما نراه خلال لحظة معينة».

لذا، في المرة القادمة التي تشعر فيها بالارتياب، تذكَّر أن تبحث عن أدلة قبل أن تُقرِّر أن شخصًا ما يراقبك بالفعل.

وربما عليك الابتعاد قليلًا عن مشاهدة أفلام الرعب!


  • ترجمة: زينب النيّال
  • تدقيق: وائل مكرم
  • تحرير: يمام اليوسف

المصدر