تُشير دراسة نُشِرت مؤخرًا في مجلة «Science1» بأن الذئاب هي التي ساهمت في وجود الكلاب، ولم يحدث ذلك لمرة واحدة فحسب بل لمرتين.

حيث أضافت النتائج المستندة إلى التحاليل الوراثية للكلاب الحديثة والقديمة والذئاب، منعطفًا جديدًا لنقاش طويل الأمد حول أصول الكلاب الداجنة الأليفة.

واقترحت دراسات سابقة أجريت على الحمض النووي للكلاب بأن هذه الحيوانات مستأنسة مرة واحدة فقط، قبل عشرة آلاف عام على الأقل وربما منذ قرابة 40 ألف عام مضى، ولكن الاختلاف بين هذه الدراسات كان حول مكان حصول عملية الاستئناس إذا ما قد تمت في وسط أو شرق آسيا أو في أوروبا.

وتعد الدراسة الأخيرة هي التحليل الأكثر شمولًا حتى الآن لجينوم*(1) الكلب القديم.

ويقول المؤلف المشارك (لوران فرانتز- Laurent Frantz)، عالِم الوراثة التطورية في جامعة أوكسفورد بالمملكة المتحدة: «كان الدافع وراء إجراء هذه الدراسة هو فهم متى ومن أين جاءت الكلاب أولًا».

وقد فك فرانتز وزملاؤه تتابع شيفرات الحمض النووي «DNA» الخاص بالمتقدرات*(2) (الميتوكوندريا) لـ 59 نوعًا من الكلاب القديمة التي عاشت في أوروبا في الفترة الممتدة بين 3000 – 14000 عامًا مضت، كما رتب الفريق تسلسل الجينوم لكلب يبلغ من العمر 4800 سنة وُجِد في قبور مستوطنة بشرية عُرِفت بـ (نيوغرانج- Newgrange) في إيرلندا.

وبعد ذلك قارن العلماء هذه الجينومات القديمة مع جينومات المئات من الذئاب والكلاب الحديثة متضمنة الكلاب المهجنة (التي تنتمي إلى سلالة مختلطة)، و48 سلالة من كلاب (السامويد- Samoyed)، وهي كلاب تعود في أصلها إلى روسيا، إلى كلاب (الشيربي- Shar Pei) الصينية، في غرب أوراسيا وشرق آسيا.

الانفصال المزدوج

كشفت تحاليل الباحثين في علم النشوء والتطور أثناء محاولتهم لإعادة بناء شجرة النسب الخاصة بفصيلة الكلاب، عن حدوث انفصالين أو انشقاقين في تاريخ الكلاب.

وكما توقع الباحثون فإن آخر انفصال حدث كان فصل الكلب الذئب الحديث (سارلوس- Saarloos) عن السلالات الأخرى، وقد اُستُحدِث هذا النوع في هولندا عن طريق تزاوج كلب الرعاة الألماني مع الذئاب الأسيرة.

وحسب قول المؤلفين، الأمر الأكثر إثارة للاهتمام كان الانقسام الذي حدث في وقتٍ سابق وفصل بين الكلاب في شرق آسيا وغرب أوراسيا، والذي حدث تقريبًا بين 6400 إلى 14000 عامًا مضت، وهذا الاختلاف قد حدث بعد عدة ألفيات من أول ظهور معروف للكلاب في أوروبا وشرق آسيا.

كما أن للسلالات الحديثة مثل كلاب الهاسكي وكلاب الزلاجات في غرينلاند أسلاف من كِلا المنطقتين.

ويفترض العلماء بأن هذا الانقسام يرجع إلى حالتين من التدجين من جماعتين متباينتين من الذئاب.

ويقول فراتنز: «إن هذا الأمر غير مؤكد حتى الآن، فنحن نحتاج للمزيد من المعلومات، ولكن الجمع بين نتائج علم الوراثة وعلم الآثار يشير إلى أصل مزدوج للكلاب الأليفة».

ويضيف: «إحدى الحجج التي تدعم فرضية الفريق هي الافتقار للأدلة الأثرية للكلاب القديمة بين غرب أوراسيا وشرق آسيا.

فمن المحتمل أن الكلاب قد أتت مع البشر من آسيا إلى أوروبا، وأن تلك الكلاب الجديدة قد نافست واستبعَدت بعض الأنواع الأقدم».

بيانات الكلاب

لم يكن العالِم (آدم بويكو- Adam Boyko)، وهو عالِم الوراثة في كلية الطب البيطري في كورنيل في إيثاكا- نيويورك، مقتنعًا بأن الكلب هو مثال على التدجين المزدوج، ولكنه يقول بأن الفرضية مثيرة للاهتمام.

ولكن لاختبار النظرية والتأكد من صحتها يتوجب على العلماء جمع وترتيب الأحماض النووية للعديد من الكلاب القديمة كما في عيّنة (Newgrange).

وبينما يتابع العلماء ترتيب الجينومات القديمة، يأملون بأن يصلوا إلى حل لغز أصل الكلاب.

وقد قال في ذلك (بونتوس سكوغلوند- Pontus Skoglund)، عالِم الوراثة في كلية هارفارد الطبية في بوسطن- ماساتشوستس: «إن عيّنة (Newgrange) توفر نقطة بيانات للدراسات الوراثية المستقبلية». وأضاف: «سيكون وقتًا مثيرًا للمضي قدمًا».

وأشار إلى أن تعلُّم المزيد عن تطور الكلب الحديث يوفر نافذة للاطلاع على ماضي البشر. فقبل أن يملك البشر المزارع ويعملوا بالزراعة امتلكوا الكلاب.

وقال سكوغلوند: «إن هذا الأمر مثير للاهتمام لأنه أحد أول الابتكارات الثقافية البشرية، كما أنه يخبرنا شيئًا مهمًا عن القدرة الثقافية للبشر الأوائل».

*(1) الجينوم- Genome: أو المحتوى الوراثي، في علم الأحياء هو كامل تسلسل الدنا لأحد الكائنات الحية. تحت الميكروسكوب يمكن رؤية الدنا في هيئة كروموسومات توجد في نواة الخلية الحية.

*(2) المتقدرات- mitochondrial: أو المصورات الحيوية أو الحُبَيبَات الخَيطِيَّة، وهي عضيات داخل الخلايا الحيوانية والنباتية طولها بضع ميكروميترات وعرضها يتراوح من 0.5 ميكرومتر إلى 1 ميكرومتر، يحيط بها غشاءان متراكبان، مسؤولة عن توليد الطاقة داخل الخلية.


ترجمة: علي حسن بيشاني
تدقيق: هبة فارس
تحرير: محمد سمور
المصدر