يمر الإنسان خلال حياته بفترة تطور حرجة تدعى البلوغ، حيث يتعرض فيها لتغيرات نفسية وجسدية كبرى.

ويعد البلوغ الجنسي أحد الجوانب النفسية الاجتماعية والحيوية الهامة في هذا التطور، إذ يتخذ خلال هذه المرحلة شكل الإنسان البالغ وحتى أفكاره، توجهاته، وردود أفعاله تتخذ طابعًا جنسيًا، ويضع حدوث هذه التغيرات الهائلة خلال فترة البلوغ، الفرد تحت ضغط كبير والذي من شأنه أن يحمل عواقبًا نفسية وجسدية هامة.

ولذلك من المهم فهم البلوغ الجنسي لأهميته السريرية، الاجتماعية، الثقافية، القانونية والتعليمية.

يعد البلوغ عملية مستمرة في حياة الفرد إذ تبدأ منذ الحياة الجنينية، لبعد الإنجاب فالطفولة ثم المراهقة فالبلوغ وحتى الموت.

خلال الطفولة المبكرة لا يكون لدى الفرد إدراك لجنسه.

إنما يدرك الطفل جنسه مبكرًا بعمر الثلاث سنوات.

أما الإدراك الذاتي للدور الجنسي والهوية الجنسية يتطور خلال مرحلة الطفولة فيما بعد.

وتشير الأبحاث الحيوية إلى الدور الهام للأندروجين في تحديد الأدوار الجنسية الدقيقة والسلوكيات الخاصة بكل جنس.

كما تعد مرحلة البلوغ مرحلة الانتقال التي تحدث خلالها التطورات الرئيسية في الحياة الجنسية.

ويعمل المحور الوطائي النخامي في مرحلة البلوغ بكفاءة عالية، الأمر الضروري لعملية النمو الجنسي خلال هذه الفترة.

يمكن تقسيم مرحلة البلوغ إلى ثلاث مراحل: المبكرة (10-13 سنة)، المتوسطة (14-16 سنة) والمتأخرة (17-19 سنة).

وتبدأ التغيرات الجسدية في المرحلة المبكرة حيث يكون هناك قلق تجاه صورة الجسد.

قم يتطور الإدراك لدى الفرد خلال البلوغ إذ يتطور لديه التفكير المجرد والمنطقي.

أما عاطفيًا فيتطور الإحساس بالهوية، والانخراط بين الأفراد، والتفاعل مع الأقران والاهتمامات الجنسية في المرحلة المتأخرة من البلوغ.

كما تُشاهد التجارب السلوكية المختلفة في المرحلة المبكرة، أما الإقدام على المخاطرة والمغامرة ففي المرحلة المتوسطة، وفي المرحلة المتأخرة يتعلم المراهقون كيف يُقيِّمون المخاطر الخاصة بهم.

ووفقًا للإحصائيات التي نُشِرت في عام 2014 مكتب التعداد في الولايات المتحدة «U.S Census Bureau»، يبلغ عدد المراهقين الذين تتراوح أعمارهم بين 10 حتى 19 عامًا 1.2 مليار في العالم، ويتركز 70% منهم في البلدان النامية.

حيث شهدت هذه البلدان في العقود الأخيرة تغيرات سريعة بسبب التمدن والهجرة والتعليم واختلاط الثقافات، مما كان له الأثر الهام على السلوك تجاه البلوغ الجنسي عند المراهقين.

مثلًا في الهند، يتعرض المراهقون للزواج المبكر وما ينتج عنه من حَمل المراهقات وأبوة المراهقين.

وفي معظم الحالات، فإن الإناث هن من يتعرضن للزواج المبكر أكثر من الذكور.

وفي بعض الثقافات المحافِظة لا يُناقش البلوغ الجنسي إلا قليلًا، مما يجعل منه لغزًا غامضًا بالنسبة للمراهقين وهذا ما يؤثر على فهمهم وتصورهم له.

التطور الجنسي عند المراهقين

يبلغ النمو الجسدي والنفسي والمعرفي خلال البلوغ قمته، ويمكن فهم البلوغ الجنسي بشكل أفضل إذا نظرنا له من منظور حيوي نفسي واجتماعيـ إذ تملك هذه العوامل الثلاثة الأخيرة تأثيرًا هامًا على عملية النمو الجنسي عند المراهقين.

إن العوامل الحيوية «البيولوجية» هي العوامل الجينية والعصبية الغدية التي تؤثر على الجنس من الناحية الحيوية والنفسية أيضًا، حيث تلعب الهرمونات الجنسية والكورتيزول وغيرها من الهرمونات دورًا هامًا في بدء عملية البلوغ أما الصفات الجنسية الثانوية فتظهر نتيجة للتأثير العصبي الغدي.

ينمو لدى كِلا الجنسين شعر العانة وشعر الإبط ويتطور ليأخذ نمطًا محددًا لنموه حسب الجنس.

فعند الذكور يحدث تضخم في الأعضاء الذكرية، وتظهر اللحية والشارب، وتتضخم العضلات لتأخذ الشكل الذكوري النموذجي.

أما عند الإناث، تنمو الأثداء، ويبدأ الطمث، وتتخذ الأعضاء التناسلية الشكل البالغ لها، ويتغير شكل الجسد إلى الشكل الأنثوي أيضًا.

كما وتؤثر الهرمونات في اهتمام المراهقين بالعلاقات الجنسية.

وتكون شخصية الفرد أو طباعه عاملًا نفسيًا مهمًا يُحدِّد السلوك تجاه النشاط الجنسي، إذ يعاني الأفراد الانطوائيون من صعوبة في التعامل والاستجابة جنسيًا.

كما أن للعوامل البيئية أو الاجتماعية دور هام أيضًا في تطور الفرد جنسيًا.

فسلوك الوالدين تجاه النشاط الجنسي، وطريقة التربية، والعلاقة مع الأقران، والتأثيرات الثقافية كلها تلعب دورًا هامًا في تحديد السلوكيات الجنسية عند المراهقين وتسهيل التعلم الجنسي لديهم.

وهناك عوامل أخرى مؤثرة أيضًا مثل العوامل السياسية، القانونية، الفلسفية، الروحية، الأخلاقية والقيم الأخلاقية تحديدًا تؤثر بشكل كبير على التطور الجنسي.

ولا ننسى تأثير وسائل الإعلام، إذ شهدت العقود الأخيرة نموًا ضخمًا في التغطية الإعلامية العالمية.

كما لسهولة مشاهدة المراهقين للجرائم الجنسية، العنف والأمور المتعلقة بالجنس بشكل عام من خلال وسائل الإعلام أثر على السلوك وفهم الأمور المتعلقة بالجنس.

فقد طرح سيغموند فرويد نظريةً تتعلق بالنمو النفسي الجنسي، حيث وصف المراحل المميزة خلال هذا النمو والتي هي المرحلة الفموية، المرحلة الشرجية، المرحلة القضيبية، مرحلة الكمون، ثم المرحلة التناسلية.

وتسلك خلال هذه المراحل أجزاء مختلفة من الجسد سلوكًا مثيرًا لغريزة الجنس، ويحاول الفرد استكشاف أو تحفيز هذه المناطق بهدف الحصول على الإشباع.

الجنس والمراهقة

إن التغيرات التي تحدث خلال البلوغ تختلف من جنس لآخر، إذ تُعايش الإناث هذه التغيرات قبل 12-18 شهرًا من الذكور.

ويؤثر توقيت البلوغ على عملية التطور لدى المراهقين.

فالذكور الذين يبلغون بشكل مبكر والذين يمتلكون أجسادًا بصحة جيدة يكونون أكثر ثقة بأنفسهم، ويشعرون بالأمان ومستقلون بشكل أكبر من الذين يصلون مرحلة البلوغ متأخرين.

لكن من ناحية أخرى من الممكن أن يكون لديهم ميول عدوانية أكثر بسبب تغدق الهرمونات الكبير، إذ يزداد نشاطهم الجنسي ويميلون للمشاركة بالسلوكيات المحفوفة بالمخاطر.

وعلى النقيض بالنسبة للإناث فالبالغات مبكرًا هن أكثر خجلًا، فاقدات للأمان، وأكثر عرضة لأن تتطور لديهم اضطرابات في الشهية.

كما يواجهن توددات جنسية من الذكور الأكبر سنًا بشكل أكبر، والذي يعرضهن للحَمل غير المرغوب به ولخطر إدمان الكحول والمخدرات.

ووفقًا لبحث نُشِر في الولايات المتحدة، يواجه الذكور خلال مرحلة الطفولة مشاكل صحية أكثر من الفتيات كالسلوك العدواني والاكتئاب.

أما خلال مرحلة المراهقة فالفتيات هن أكثر عرضة للمشاكل الصحية.

كما تجعل آثار التمييز العنصري، الجنس، الفقر، العنف الجسدي، من المراهقات أكثر عرضة لعواقب سلبية.

وفي مناطق النزاع في العالم (مناطق الحروب، البلدان غير المستقرة سياسيًا، الصراعات الدينية)، تواجه الفتيات خطر الاستغلال الجنسي والإتجار بهن، أما الصبيان فيُجندون.

كما أن الثقافة التي تسود المجتمع تؤثر على الأدوار والتوقعات المبتغاة من الفتيات وبالتالي تؤثر على فرصهم، تعليمهم وطرق حصولهم على المعلومات.

السلوك الجنسي عند المراهقين

البلوغ هو المرحلة التي يتم فيها استكشاف وفهم الجنس.

ويقود الفضول الجنسي لدى المراهقين إلى مشاهدة المواد الإباحية، الانغماس في النشاطات الجنسية، وتزداد احتمالية تعرضهم للاستغلال الجنسي.

وقد أجرت «Halpern» دراسة على سكان المنطقة الغربية فيما يتعلق بأنماط السلوكيات الجنسية عند المراهقين والعوامل الممكنة التي تؤثر عليها.

وأجريت هذه الدراسة على 11000 مراهقًا بين 18 و27 عامًا، ووجدت أن أكثر من 90% منهم خسر عذريته قبل الزواج. أما البقية من السكان فاشتركوا بأنهم إما أصغر في السن، أجسادهم غير ناضجة كفاية، مؤشر كتلة الجسم عالي، ميول دينية أكثر، وغالبا لديهم رفض الأهل للجنس خلال فترة المراهقة.

أما في المرحلة المتأخرة من المراهقة وفي أوائل العشرينات، وجدت غالبية الدراسات في الولايات المتحدة أن معظم الأفراد يختبرون الجنسي الفموي أو المهبلي بغض النظر عن الحالة الاجتماعية.

ووجدوا أن التعرض المبكر للجنس المهبلي خلال المراهقة يزيد من فرص الإصابة بالأمراض المنقولة بالجنس، ويقل هذا الخطر مع التقدم بالعمر.

ويرتبط ذلك أيضًا بازدياد عدد الشركاء الجنسيين كلما كان التعرض لهذا النوع من الممارسة أبكر.

وتعاملت دراسات قليلة مع السلوكيات الجنسية اللا مهبلية (الفموي، الشرجي)، والتي من الممكن أن تكون سببًا محتملًا وراء انتقال الأمراض المنتقلة بالجنس مثل الإيدز، على الرغم أن وسائل الحماية المُتَّبعة عادةً في الجنس المهبلي كالواقي الذكري قد تكون كافية.

التحديات التي نواجهها

تعتبر التغيرات الكبيرة التي يواجهها المراهقون كبداية الطمث عند الفتيات وخشونة الصوت عند الذكور وباقي الصفات الجنسية الثانوية بالإضافة إلى التغيرات النفسية، تحديات كبيرة تضع المراهقين تحت ضغط كبير غير مهيئين للتعامل معه.

فالتعرض المبكر للجنس مسألة تسبب قلقًا حقيقيًا بسبب خطورة العدوى بالأمراض المنتقلة بالجنس مثل الإيدز، حمل المراهقات، العواقب السلبية على الصحة الإنجابية، وأبوة المراهقين.

وفي العديد من البلدان النامية وحتى غير النامية، لا يوجد تعليم رسمي للثقافة الجنسية في المدارس وإن وجد فهو غير كافٍ.

ويؤدي نقص الثقافة الجنسية إلى علاقات جنسية خطرة، والحمل غير المرغوب فيه، والأمراض المنتقلة بالجنس، بالإضافة إلى نقص تواصل الآباء مع الأبناء فيما يتعلق بالأمور الجنسية، حيث لا يكون لدى المراهقين الفرصة لمناقشة قضاياهم الجنسية والذي من شأنه عرقلة التطور الجنسي الصحي.

وليست التحديات المتعلقة بأسلوب التعامل والمواجهة هي الوحيدة في مرحلة البلوغ، فيواجه المراهقون مثلًا مشكلة العنف بين الأشخاص والتي تتجلى بالعنف الجسدي أو الاستغلال الجنسي وهو الغالب.

فعادةً لا يكون المراهقون مدربون على التعامل مع أمور التربية مما يجعل حمل المراهقات وأبوة المراهقين أمرًا شاقًا عليهم.

وأخيرًا فهم البلوغ الجنسي هو أمر هام جدًا، كما أن فهم العوامل المؤثرة مهم أيضًا ويساعد الأهل على فهم الصعوبات التي يواجهها أولادهم بشكل أفضل، مما يجعلهم قادرين على مساعدتهم في هذه المرحلة من حياتهم.


ترجمة: كندة السبع
تدقيق: هبة فارس
تحرير:عيسى هزيم
المصدر