• جاءت كلمة (خرسانة – Concrete) من الكلمة اللاتينيّة (Concretus) والتي تعني «تنمو معًا» وهذا ما يحدث بالضبط عندما تجمع مكونات الخرسانة الثلاث التالية:
  • مزيجٌ بنسبة ( 60 إلى 70 % ) من الركام الخشن والناعم ( الرمل، الحصى، قطعٌ كبيرة من الأجحار المُكسّرة، الزجاج وقطع من الخرسانة المُعاد تدويرهما).
  • الإسمنت ( الاسم الآخر لسليكات الكالسيوم والألمنيوم ) بنسبة (10 إلى 15 % ).
  • الماء بنسبة (15 إلى 20 % ).

 

تُمزج هذه المكوّنات البسيطة معًا مُشكّلةً مركّبًا، وهو الاسم الذي نُطلقه على المادة الهجينة والتي تُعدُّ أفضل في بعض النواحِ المهمّة من المواد التي شُكّلت منها. ففي حالة الخرسانة، الشيء الذي يميّزُها هو ( القوّة، القساوة، والديمومة ).

لننظر بعناية لصورة هذه الخرسانة، يمكنك أن ترى بوضوح كيفيّة عملها:

الركام فاتح اللون ( حجارةٌ بمختلف الأشكال والأحجام، والتي هي بمثابة الداعم والتقويّة) مرتبطة فيما بينها بواسطة الاسمنت داكن اللون (والذي هو بمثابة المادّة الرابطة).

قد تتساءل كيف تشكّلت الخرسانة من تلك المكوّنات البسيطة والتي لا تُشبه شكل الخرسانة النهائي؟!

في الواقع، عند إضافة الماء إلى الاسمنت، تبدأ بلورات هيدرات الاسمنت بالتشكُّل والنموّ وبهذا تُحكِم الربط بين الحصى والرمل معًا. هذا التشكيل التدريجي للبلورات هو الذي يُعطي الخرسانة قوّتها والتي تجعلُها تَجُفّ. أما عن سببُ حِفاظنا على الخرسانة رطبة لِعدة أيام ما هو إلا لتقويّة التفاعل الكيميائي داخل الاسمنت ليزيد من صلابته.

هذه الخليط الطريّ الذائب والذي يَهوي من خلاّطة الاسمنت سوف يتحوّل تدريجيًا خلال ساعات إلى مادة أكثر صلابةً من المادة التي تشكّل منها، ويزدادُ قوةً بعد حوالي الشهر ويستمر بهذا التزايد ليكتسب صلابته الكاملة بعد خمس سنوات على الأقل.

 

أتت الدراسات العلمية الحديثة بحقيقة مثيرة للاهتمام عن الخرسانة، مفادها أن (بلورات) الاسمنت ليست بلوراتٍ على الإطلاق، حيث أنها ليست مُنتظمة تمامًا كما هو مُفترضٌ أن تكون البلورات. لكن بلورات الاسمنت في الواقع لها بناء عشوائي كما في مواد مثل الزجاج، والذي يُطلق عليها علميًا اسم (المواد الصلبة غيرُ المُتبلورة) .

تحوي الخرسانة قدرًا من الهواء المحبوس داخلها بنسبة (5 إلى 10%)، بسبب وجود فراغاتٍ بين البُنيَة المفتوحة لبلورات هيدرات الاسمنت ثلاثيّة الأبعاد وبينَ الحصى والرمل المحصورَين بينهم. وهذا من شأنِه أن يُفَسِّر سبب انحناء الخرسانة وتمدُّدها وانضغاطها (بقدرٍ بسيط).

تُعتبر الخرسانة مثلها مثلُ أي وصفة، إذ يمكننا تعديل الخليط إلى حدٍ ما ( كإضافة المزيد من المياه، أو المزيد من الركام، أو حتّى المواد الكيميائيّة المختلفة) كلُّ ذلك لإنتاج خرسانة حسب الطلب: كأن تتدفق بسرعة أو بهدوء، تزداد قدرة تحمّلها، أو أن تظهر بلونٍ خاص.

وهناك طريقة بسيطة لإعطاء الخرسانة اللون الأبيض وذلك عن طريق إضافة صبغة ثاني أكسيد التيتانيوم، وهو ما يجعل لون الخرسانة أجمل كثيرًا من ذلك اللون الرمادي الذي تتميز به مواقف السيارات.

 

الخرسانة المُسلّحة:

كما سبق ورأينا أنّ الخرسانة هي مادة مُركّبة من الاسمنت والركام، والتي تتحمل قوى الضغط بشكلٍ ممتاز، ولكن ماذا عن تحمُل قِوى الشد؟

لايمكن للخرسانة أن تتحمل قوى الشد، ولحل هذه المشكلة، يتم صبُّ الخرسانة السائلة حول قُضبانٍ قويّة تُسمّى فولاذ التسليح (يتم ربطها سويًّا على شكل قفص) ، وعندما تُصّب الخرسانة وتصبح صلبة نحصل على مادة مُركّبة جديدة تُسمّى الخرسانة المُسلّحة،  والتي تتحمّلُ كُلًا من قوى الضغط والشد بالشكل التالي: (تُقاوم الخرسانة الانضغاط في حين يُقاوم فولاذ التسليح الانعطاف والتمدُّد).

عادةً ما تكون قُضبان التسليح (Rebar)  مصنوعةٌ من قضبانٍ مُحلزنة وعُقد ملحومة عليها وذلك لزيادة التماسك بينها وبين الخرسانة ومنعها من الانزلاق.

نظريًا، يمكن استخدام جميع أنواع المواد للخرسانة المسلّحة. ولكن بشكلٍ عام، نستخدم فولاذ التسليح لأنّه يتمدد ويتقلص في السخونة والبرودة بنفس القدر الذي يحدث للخرسانة ذاتها، وذلك من شأنه ألّا يؤثر على الخرسانة فتتحطم إذا تمدد أو تقلّص بمقدار أكبر كما هو الحال عند استخدام المواد الأخرى.

سرطان الخرسانة:

الشقوقُ والشروخ هي آخر شيءٍ تودُّ رؤيته في المباني أو الجسور الخرسانيّة، وخصوصًا الجديدة نسبيًا.
ولكن مادام لدينا هياكل خرسانيّة يعود تاريخها للعصر الروماني، فكيف للجسور الخرسانيّة وناطحات السحاب وباقي الهياكل التي تم تشيدُها منذ عقودٍ قليلة فقط في آواخر القرن العشرين ألّا تصمد وتنهار؟

هنالك العديد من التفسيرات. قديمًا، استخدم الرومانيون الخرسانة البوزولانية pozzolanic concrete المصنوعة من الرماد البركاني، حيث تميل للتشقق بنسبة أقل من الأشكال الأخرى للخرسانة الأكثر حداثة، وكانت تُستخدم بشكلٍ أساسيّ في الضغط، لذلك حتى لو كان للتشققات فرصة بالتشكّل، ستكون أقل عُرضةً للانتشار.

تفشل الخرسانة الحديثة من خلال ما يُسمّى (سرطان الخرسانة أو مرض الخرسانة) والذي يتضمّن ثلاثة مشاكل مرتبطة ببعضها.
الأولى: أنَّ القلويّات في الاسمنت تتفاعل مع السليكا الموجوة في الركام والتي هي جزءٌ من الخرسانة. عندها تبدأ البلورات تكبر بشكل أبطأ داخل الخرسانة، وهذا من شأنه أن تشغل حيّزًا أكبر من البلورات الأصليّة، مما يجعل الخرسانة تتشقق من الداخل إلى الخارج أو تقشر بعيدًا عن السطح ( تصبح كالشظيّة)  وتسمح للماء بالدخول.

كالجسور على الطرق السريعة، أيُّ ماءٍ يدخل للخرسانة من المحتمل أي يكونَ قلويًّا بسبب الأملاح المستخدمة لمعالجة الطرقات شتاءً.
المشكلة الثانية: هي أنّ الماء المتسرب إلى الخرسانة سوف يحتكّ بقضبان حديد التسليح مما يسبب الصدأ والتآكل، وربما تمدُّد الخرسانة أيضًا، مما يسبب نقاط ضَعف في الهيكل الخرساني. تلك البقع بنيّة اللون التي نراها، غالبًا ما يكون سببها المياه الصدئة المارّة عبر الشقوق.

المشكلة الثالثة، هي أن الماء الذي دخل عبر الشقوق سوف يتجمّد في فصل الشتاء، وهذا يعني أنه سيتمدد ومُحدثًا معه شقوقًا إضافيّة، والتي بدورها تسمح بمرور كميّة إضافيّة من الماء وبالتالي التلف في نهاية المطاف.


ترجمة: رامي الحرك

تدقيق: وائل مكرم

المصدر