الموسوعة الحرّة ويكيبيديا : وسيلة رائعة لنشر العلم والمعرفة، ولكن ما مدى مصداقيّتها؟ وما مدى دقّة المعلومات العلميّة التي نستقيها من صفحاتها

عندما نودّ أن نقرأ أو نوسّع آفاقنا حول مسألة علميّة معيّنة، عادةً ما نضطّر، كأناس غير مختصّين وعلى غير دراية كافية في تعقيدات المجال، أن نوازن بين سهولة الوصول للمعلومة من جهة ودقّة المحتوى على الجهة الأخرى.

في كثيرٍ من الأحيان، من الصّعب إيجاد مصادر علميّة قادرة على موازنة هذين العاملين بمهنيّة وموضوعيّة، وذلك لأنّ تفاصيل الدّراسات العلميّة الهامّة والدّقيقة ستمرّ عبر أعين إنسانٍ واحد فقط..

ممّا يزيد من إحتماليّة نقل معلوماتٍ خاطئة، نسبةً إمّا إلى سوء فهم أو ربّما في بعض الأحيان نسبةً إلى تحريفٍ متعمّد.

ولكن ماذا لو ساهم أكثر من شخص في مجهود تقريب المعلومة من القارئ البسيط؟

الإجابة بالطّبع ستتعلّق بمعرفتنا بالأشخاص، وبمدى إطّلاعهم على المسائل العلميّة التي يكتبون عنها.

إذا عرفنا أنّ الأشخاص هم مجموعة من العلماء أصحاب الإختصاص والدّراية (كما هو الحال في عددٍ كبير من مقالات الموسوعة البريطانيّة Encyclopædia Britannica)، سنتوقّع أنّ المحتوى سيكون أكثر دقّةً من غيرِهِ.

وأمّا إذا لم نعرف الكثير عن المساهمين في كتابة المقالات (في بعض الأحيان لا نعرف أيّ شيء عنهم)، كما هو الحال عندما يتعلّق الأمر بويكيبيديا، فغالبًا ما سننظر إلى المحتوى بعينٍ من الشكّ والرّيبة.

ولكن ماذا تخبرنا المراجعات والدّراسات عن دقّة المعلومات التي نستقيها من ويكيبيديا؟ هل هي بالفعل مصدر ثانوي مليء بالمغالطات والمعلومات غير الدّقيقة؟ أم أنّها مرجعٌ مقبول للمعلومات العامّة حول المجالات العلميّة المختلفة؟

على عكس ما يتوقّع الكثير من النّاس، مراجعاتٌ علميّة مستقلّة من قبل عدّة مجلاّت علميّة مرموقة، مثل ناتشر (Nature)، أظهرت أنّ المضمون والمحتوى العلميّ في مقالات ويكيبيديا يرتقي إلى مستوى رفيع يوازي، من حيث الدقّة العلميّة، مستوى المحتوى العلميّ في الموسوعة البريطانيّة.

المراجعة العلميّة التي أجرتها المجلّة العلميّة ناتشر، على سبيل المثال، أظهرت أنّ من بين 42 مقالة علميّة، احتوت ويكيبيديا على 4 معلومات غير دقيقة، بينما احتوت مقالاتٌ مشابهة للموسوعة البريطانيّة على 3 معلومات غير دقيقة.

دراساتٌ أخرى أظهرت أنّ مقالات ويكيبيديا في كلّ من المجالات والإختصاصات العلميّة التّاليّة كانت على مستوى رفيعٍ جدًّا: علم الأمراض (Pathology)، علم السّموم (Toxicology)، علم الأورام (Oncology)، وعلوم الدّواء والصّيدلة (Pharmaceuticals).

مع كلّ هذه المراجعات الإيجابيّة في حقّ الموسوعة، إلاّ أنّ طبيعة النّشر المفتوح قد تؤدّي في بعض الأحيان إلى نشر معلومات خاطئة ومُضلّلة.. ممّا يوجب وجود آليّات تصحيح وترقيع إجتماعيّة وفكريّة.

فهل يدعم نظام ويكيبيديا آليّاتٍ كهذه؟ هل يشعر قرّاء الموسوعة برغبة حقيقيّة بتصحيح أخطاء واضحة في مضمون المقالات التي يقرأون؟

في حقيقة الأمر، دراساتٌ أوليّة من معهد ماساتشوستس التّكنولوجي (MIT) و IBM في العام 2003 (أي بعد عامين على إنطلاقة الموسوعة) أظهرت أنّ الكثير من الأخطاء التي يتمّ نشرها عمدًا في الموسوعة يتمّ تصحيحها مباشرة من قبل القرّاء.

دراسة أحدث، نُشرَت في العام 2007، أظهرت أنّ 42% من المعلومات المضلّلة يتمّ تصحيحها مباشرةً، ولكن مع ذلك ما زال هنالك الكثير من المعلومات المضلّلة في ملايين المقالات.

ولذلك في النّهاية، ويكيبيديا قد تكون مصدرًا ثانويًّا جيّدًا لمن يريد أن يتعلّم الأساسات، ولكن على القارئ الذّكي والواعي أن يكون متنبّهًا لما يقرأ، ويراجع المصادر والمراجع المذكورة في أسفل معظم المقالات في الموسوعة، ليتأكّد من دقّة وصحّة المعلومات العلميّة.

(من الجدير بالذّكر أن الدّراسات التي تعرّضنا لها أعلاه قصدت ويكيبيديا باللّغة الإنجليزيّة)