لماذا تفشل الشركات الكبرى بعد نجاحها؟


أحد أهم الظواهر في عالم الأعمال وأكثرها إثارة للحيرة، هو أن الشركات الناجحة حين تواجه تغيّرات كبيرة في البيئة المحيطة بها، فإنها تفشل في التأقلم.

ونتيجة هذا الفشل، وعدم قدرة هذه الشركات على الدفاع عن نفسها في مواجهة المنافسين المسلحين بالمنتجات الجديدة أو التقنيات الجديدة أو السياسات الجديدة، تنخفض مبيعاتها وتتآكل مكاسبها ويغادرها أفضل عناصرها البشرية، وتنخفض قيمة أسهمها كذلك. البعض منها يتمكن من التعافي، بعد جولات مؤلمة من تقليص الأعمال وإعادة الهيكلة، لكن أكثرها لا يتعافى.

لماذا إذن تفشل الشركات الكبيرة؟ من المفترض دائمًا أن المشكلة تكمن في الشلل. فحين تواجه الشركات تغييرات فجائية في ظروف العمل، تتجمد الشركة، مثل الغزال الذي يتجمد مشدوهًا أمام أنوار السيارات. لكن هذا الافتراض لا تدعمه الحقائق دائمًا. في دارسة للشركات التي كانت ناجحة والتي عانت في مواجهة التغيير، لم يجد الكاتب سوى عدد محدود من الأدلة على حدوث الشلل. بالعكس، كان مديرو تلك الشركات ينتبهون لهذه المخاطر مبكرًا، ويحللون تبعاته على الأعمال، ويدشنون مجموعة إجراءات متسرعة في مواجهته، لكن برغم كل هذا، تتداعى الشركات في النهاية.

المشكلة ليست في العجز عن اتخاذ إجراءات، ولكن في العجز عن اتخاذ الإجراء السليم. من الممكن أن يكون هناك أسباب عدة للمشكلة، تترواح بين العناد الإداري وبين انعدام الكفاءة، لكن أحد أكثر الأسباب شيوعًا هو ما أطلق عليه: القصور الذاتي النشط. يرتبط مصطلح القصور الذاتي عادة بعدم الحركة (تخيّل كرة بلياردو ثابتة على المنضدة)، لكن الفيزيائيين يستخدمون المصطلح أيضًا للإشارة إلى إصرار الأجسام المتحركة على البقاء في حالة حركة في مسارها.

القصور الذاتي النشط هو ميل المؤسسات لاتباع أنماط سلوكية مستقرة، حتى في مواجهة التغيرات البيئية العنيفة. تبقى الشركات الأكبر في السوق حبيسة طرق التفكير والعمل التي حققت لها نجاحات في الماضي، وتعمل على تسريع الأنشطة المجرّبة سابقًا. وفي محاولتها للخروج من الحفرة، فإنها تعمل في الحقيقة على السقوط أعمق.

وبسبب شيوع ظاهرة القصور الذاتي النشط، من المهم أن نفهم مصادره وأعراضه. فالمرجح أنه إذا افترض المديرون أن عدوهم هو الشلل، فإنهم سيستنتجون تلقائيًا أن أفضل دفاع هو الحركة. لكنهم إذا فهموا أخيرًا أن الحركة ذاتها قد تكون العدو، فسوف يراجعون افتراضاتهم كلها قبل أي تصرّف، كما أنهم سيتوصلون تلقائيًا إلى رؤية أفضل إلى ما يحتاجون إلى تحقيقه، وبالمثل، ما يمنعهم من تحقيقه. وبهذا يكونون قادرين على تقليل احتمالات انضمامهم إلى صفوف من سبقوهم من القادة الفاشلين.

ضحايا القصور الذاتي النشط:

لمعاينة الأثر التدميري المحتمل للقصور الذاتي النشط، تأمل قصة فايرستون للإطارات والمطاط (Firestone Tire & Rubber) التي كانت تقود السوق في صناعتها، وفشلت في مواجهة تحدي التغيير، ليس لأنها لم تتخذ أي إجراء، لكن لأنها لم تتخذ الإجراء المناسب.

 

 

في مطلع عام 1970، كانت فايرستون تتمتع بسبعة عقود من نمو لا ينقطع. وتربعت على عرش صناعة الإطارات المزدهرة في الولايات المتحدة، إلى جانب جوديير (Goodyear)، منافستها في أكرون، أوهايو. كان لدى مديري فايرستون رؤية واضحة عن مكانة شركتهم واستراتيجيتها. ورأوا أن أكبر ثلاثة مصنعين للسيارات في ديترويت هم زبائنهم الأساسيين، ورأوا أن جوديير وصناع الإطارات الآخرين في أمريكا هم منافسيهم، وأن التحدي الوحيد أمامهم كان مواكبة النمو المضطرد في الطلب على الإطارات.

كان نجاح الشركة متأصلًا، وكانت ثقافتها وعملياتها تعكسان رؤية مؤسسها هارفي فايرستون الأب، والذي كان يصر على معاملة زبائنه وموظفيه كجزء من “عائلة فايرستون”. كان نادي فايرستون الريفي يفتح أبوابه لكل الموظفين، بغض النظر عن مناصبهم، وكون هارفي نفسه صداقات وطيدة مع المديرين التنفيذيين لكبار مصنعي السيارات (بل إن حفيدته تزوجت من حفيد هنري فورد). صنعت فايرستون مديرين شديدي الولاء، عن طريق إدماجهم في قيم الشركة العائلية وتشبعهم برؤيتها للعالم التي تعتبر أكرون هي مركز العالم.

عمليات الشركة وتسكين رأس المال كانا مصممين لاستغلال الطلب المتزايد على الإطارات عن طريق زيادة طاقة إنتاجية جديدة. على سبيل المثال، أثناء إعداد الميزانية، يحدد موظفو الصف الأول (المبيعات والتسويق) الفرص الموجودة في السوق، وتحويل هذه الفرص إلى عروض للاستثمار في سعة إنتاجية إضافية. يختار الصف الأوسط من المديرين بعد ذلك أكثر الفرص الواعدة ويعرضونها على المديرين التنفيذيين، الذين كانوا أميل للموافقة السريعة على توصيات الصف الأوسط.

نجاح فايرستون الثابت أعطى للشركة إحساسًا قويًا وموحدًا لاستراتيجياتها وقيمها، وعلاقاتها بزبائنها وموظفيها، وبعملياتها واستثماراتها. كانت للشركة باختصار، معادلة واضحة للنجاح، أثبتت فعاليتها منذ مطلع القرن.

لكنه وبين ليلة وضحاها، تغيّر كل شيء. شركة فرنسية تدعى ميشلين (Michelin)، قدمت إلى السوق الأمريكي الإطارات النصف قطرية (radial tire) (مايعني أن مصفوفة السلك الداخلي للإطار يكون متعامدًا على اتجاه الحركة وموازيًا لنصف قطر الإطار). واستنادًا إلى التصميم المتفوق، كانت الإطارات النصف قطرية أكثر أمانًا وأطول عمرًا إلى جانب كونها اقتصادية أكثر من الإطارات المعتادة حينها وهي الإطارات الموازية (Bias Tires) (أي أن مصفوفة السلك تكون موازية لاتجاه الحركة). نجحت ميشلين بالفعل في الاستحواذ على الأسواق الأوروبية، وعندما أعلنت فورد في 1972 أن كل سياراتها الجديدة ستحتوي على الإطارات النصف القطرية، كان من الواضح أن ميشلين كانت في طريقها للاستحواذ على السوق الأمريكي أيضًا.

لم تفاجأ فايرستون باختراع الإطارات النصف قطرية. من خلال عملياتها الضخمة في أوروبا، شهدت فايرستون بنفسها تبني الأسواق الأوروبية السريع لهذه الإطارات في الستينيات. بل إن فايرستون تنبأت بسرعة انتشار هذه الإطارات بين مصنعي السيارات والمستهلكين في الولايات المتحدة. رأت فايرستون أن الإطارات النصف قطرية قادمة، واتخذت اجراءً سريعًا: استثمرت فايرستون 400 مليون دولار (أكثر من مليار دولار بمقياس اليوم) في إنتاج الإطارات النصف قطرية، منشئةً مصنعًا جديدًا مخصصًا لهذا النوع من الإطارات، إلى جانب تحويل أكثر من مصنع قديم لذات النشاط.

بالرغم من أن رد فعل فايرستون كان سريعًا، فإنه كان أبعد ما يكون عن الفعالية. بالرغم من استثمارها في المنتج الجديد، فإنها تمسكت بطرقها القديمة في العمل. فبدلًا من أن تعيد تصميم وسائلها في الإنتاج، فقد قامت بالكاد بتعديلها، رغم أن تصنيع الإطارات النصف قطرية كان يحتاج إلى معايير جودة أعلى بكثير.

 

 

بالإضافة لذلك، أجلت الشركة قرار إغلاق الكثير من مصانعها الأخرى التي تنتج الإطارات الموازية، برغم الإشارات الصارخة على قرب انقراضها من السوق.

القصور الذاتي النشط، كان العامل المسيطر على الأمور.

بحلول عام 1979 كانت فايرستون في مشاكل عميقة. كانت مصانعها تعمل بطاقة هزيلة تمثل 59% من إمكانياتها، كانت تؤجر مخازن للإطارات غير المباعة، وكانت تتحمل أعباء وحرج المنتجات المعادة من السوق نتيجة عيوب الصناعة، كما أن إنتاجها من الإطارات المحلية قد استهلك أكثر من 200 مليون دولار من السيولة. وبالرغم من أن مستوى مبيعات الولايات المتحدة الكلية من الإطارات كان مستقرًا، (لأن الإطارات الجديدة كانت تعيش ضعف عمر القديمة) تمسك رئيس فايرستون التنفيذي بافتراض أن السوق ينمو بلا نهاية، مخبرًا مجلس الإدارة أنه لا يرى أي داع للبدء في غلق مصانع. في النهاية، كانت كل تحليلات فايرستون وإجراءاتها بلا فائدة، تخلت الشركة عن معظم نصيبها من السوق للشركات الأجنبية، وعانت من مزادين للاستحواذ قبل أن تشتريها شركة بريدجستون (Bridgestone) اليابانية في عام 1988.

العلامات الأربعة الكبرى للقصور الذاتي النشط:

لكي نفهم سبب فشل شركات مثل فايرستون، من الضروري أن ننظر إلى أسباب نجاحها الأصلية. معظم الأعمال الناجحة تدين بنجاحها لمعادلة تنافس جديدة تقوم على تشكيلة من الاستراتيجيات والعمليات والعلاقات والقيم التي تصنع فارقًا عن المنافسين. وبنجاح المعادلة، يتضاعف عدد الزبائن، يزداد إقبال العمالة الموهوبة على التقديم للالتحاق بالشركة، يزايد المستثمرون على أسعار الأسهم، كما يبدأ المنافسون بالرد بأصدق صور الإطراء: التقليد. هذا المردود الإيجابي يعزز ثقة المديرين في أنهم عثروا على الطريق الوحيد الناجح، ويزيدهم شجاعة لتركيز طاقتهم في تحسين نظامهم الناجح والتوسع في تطبيقه.
برغم ذلك، كثيرًا ما يبدأ هذا النظام في التجمد، ويتحول التفكير المبدع الذي قاد النجاح الأول للشركة، إلى تقديس والتزام متصلب بالوضع الراهن. وعندما يبدأ السوق في التغير، فإن المعادلة التي أدت إلى النجاح في البدء، تتحول إلى معادلة للفشل. على وجه الخصوص، ستحدث أربعة أمور:

1- تحوّل الأطر الاستراتيجية إلى ستائر:

الأطر الاستراتيجية هي العقلية التي تشكل الكيفية التي يرى بها المديرون العالم. هذه الأطر تحمل الإجابات لأسئلة استراتيجية هامة: ما هو نوع العمل الذي نقوم به؟ كيف نصنع قيمة مضافة؟ من هم المنافسون؟ من هم العملاء المهمون، ومن هم العملاء الذين يمكن تجاهلهم بلا ضرر يذكر؟. كما توجه هذه الأطر تفكير المديرين إلى الجوانب المهمة وسط فوضى البيانات الأولية التي تمر على مكتبهم وشاشات حواسبيهم كل يوم. الأطر الاستراتيجية لمديري فايرستون على سبيل المثال كانت تضع نصب أعينها منافسيها قرب أكرون، وزبائنها في ديترويت. كذلك، تساعد الأطر المديرين في اكتشاف الأنماط وسط البيانات المعقدة، عن طريق تنسيق المعلومات في نماذج معدة سابقة.

لكن بينما تساعد الأطر المديرين على الرؤية، فإنها قادرة كذلك على حجب الرؤية. بتوجيه رؤية المديرين باستمرار إلى أمور محددة، تغويهم الأطر الاستراتيجية بالاعتقاد أنهم يرون الأمور المهمة كلها وأنه لا يوجد أمر آخر يستحق الاهتمام. بالتبعية، تبدأ هذه الأطر في تشويش الرؤية العامة، وتمنع الشخص من ملاحظة الاختيارات الجديدة والفرص الجديدة. وبرغم أن فايرستون كانت في المنافسة كتفًا بكتف مع ميشلين في أوروبا وأنها لاحظت انتشار الإطارات النصف قطرية، لم يتمكن قادتها من رؤية ميشلين كمنافس في سوقهم المحلي الرئيسي. ومع ازدياد تصلب الإطار الاستراتيجي، يقوم المديرون عادة بتسكين المعلومات المفاجئة والغريبة في أنماط محفوظة، أو يقومون بتجاهلها بالكلية.

المحزن، أن مسألة تحول الأطر الاستراتيجية إلى ستار حائل هي دائمًا القاعدة وليست الاستثناء في معظم الممارسات البشرية. انظر إلى التدهور الكارثي في الاستراتيجيات العسكرية الفرنسية خلال النصف الأول من القرن العشرين. في مطلع القرن، كانت العسكرية الفرنسية تمجد الهجوم، وفقًا للمذهب الفلسفي السائد وقتها أن القوة الحية الفرنسية (élan vital) سوف تسود في نهاية المطاف. لكن سياسة “الهجوم بأي ثمن” أثبتت فشلا كارثيًا في خنادق الحرب العالمية الأولى. كنتيجة لذلك، غيرت الدولة إطارها الاستراتيجي، وتبنت استراتيجية دفاعية صرفًا، تجسدت في خط ماجينو Maginot Line))، وهو سلسلة من النقاط الحصينة الثابتة مقامة لحماية الحدود الفرنسية من الغزو الألماني. بالرغم من ذلك، أثبتت هذه الدفاعات الثابتة كذلك فشلها في إيقاف الهجمات الخاطفة. الدرس القاسي الذي تعلمته فرنسا في الحرب العالمية الأولى صار ستارًا معميًا في الحرب العالمية الثانية.

2- تحوّل العمليات إلى روتين:

حين تقرر الشركة أن تتبنى شيئًا جديدًا، يجرب الموظفون عادةً طرقًا كثيرة للقيام بالنشاط الجديد. لكنهم حين يعثرون على طريق ناجح أكثر من غيره، فإن الحافز يكون قويًا للإصرار على الطريق الناجح وعدم تجربة أي طرق أخرى. التركيز على عملية واحدة يمنح المرء وقتًا وطاقة إضافية للقيام بمهام أخرى، ويقود إلى زيادة الإنتاجية، حيث يكتسب الموظف الخبرة في العملية التي يقوم بها. كما يوفر هذا للمؤسسات الضخمة القدرة على التنبؤ العملياتي، وهو الأمر الضروري للتنسيق بين الأنشطة المتشابكة.

 

 

لكن، وكما هو الحال مع الأطر الاستراتيجية، العمليات الثابتة غالبًا ما تصنع مع الوقت حياة لنفسها، فتتوقف عن كونها وسائل لغاية معينة وتتحول إلى غاية في حد ذاتها. يتبع الناس العمليات ليس بسبب أنها طرق فعالة أو منتجة، لكن لأنها طرق معروفة ومريحة، فهي ببساطة “الطرق التي تتم بها الأشياء”. حين تتحول عملية ما إلى روتين، فهي تمنع الموظفين من التفكير في طرق جديدة للعمل. الطرق البديلة لا يتم الاعتداد بها أبدًا وبالتالي لا تجرب. القصور الذاتي النشط، يتدخل.

في فايرستون، “روتنة” العمليات كانت مانعًا أساسيًا لرد الفعل المناسب للإطارات النصف قطرية. صادفت فايرستون مشاكل كبيرة في التصنيع وفي الجودة بسبب محاولتها تصنيع الإطارات الجديدة بمجرد إدخال تعديلات بسيطة في عملياتها الإنتاجية حينها. أنتجت فايرستون إطارات لا يريدها أحد، بسبب أن تقسيم الميزانية أعطى الأولوية لاستثمارات غير مهمة في السعة الإنتاجية، فتقسيم رأس المال تم وضعه بواسطة مديري الصف الأول الذين كانوا بطبيعة الحال غير مستعدين للتضحية بالمصانع التي يديرونها لتغلق أبوابها. كما فشلت فايرستون في استقطاب مواهب تمتلك وجهات نظر جديدة، لأن عمليات التوظيف فيها كانت تركز على بناء الولاء للشركة والحفاظ على العقليات المتناغمة. حتى حين كانت الشركة تعاني مع التغيير، فقد استمرت في تعيين وترقية “الأشخاص الذين يشبهوننا”. وفي عام 1972، كان كل المديرين الكبار هم أناس قضوا كل عمرهم الوظيفي في فايرستون، ثلثيهم ولدوا ونشأوا في أكرون، وثلثهم كان آباءهم يعملون كمديرين تنفيذيين في فايرستون.

3- تحوّل العلاقات إلى قيود:

لكي تستطيع النجاح، يجب على كل شركة أن تبني علاقات قوية، مع الموظفين ومع العملاء ومع المقرضين ومع المستثمرين. هارفي فايرستون الكبير حافظ على صداقة وطيدة مع عملائه، مقدمًا قروضًا من ماله الخاص لبائعي الإطارات الذين كانوا يعانون خلال الكساد الكبير، كما كان على علاقة اجتماعية مستمرة بالعديد من المديرين التنفيذيين بالشركة. كأي رجل أعمال ناجح، كان فايرستون يغلف عملياته التجارية بعلاقات اجتماعية وطيدة لتقوية الموقف الاقتصادي لشركته.

لكن عادة عندما تتغير الأحوال، تجد الشركات أن علاقاتها تحولت إلى قيود تحكم حركتها، وتقودها إلى حالة القصور الذاتي النشط. الاحتياج إلى الحفاظ على العلاقات الحالية مع العملاء قد يمنع الشركات من تطوير منتجات جديدة، أو التركيز على أسواق جديدة. مصانع بيرة كيرين (Kirin)، على سبيل المثال، كانت تسيطر على 60% من حجم السوق في اليابان ما بعد الحرب، عن طريق بناء علاقات وطيدة مع رجال الأعمال، الذين كان يحصل معظمهم على البيرة من الشركة كجزء من معاشهم العسكري. لكن بحلول الثمانينيات، كانت كيرين ترفض تجاهل عملائها الأساسيين بامتناعها تقديم البيرة الجافة التي كانت أكثر رواجًا بين الجيل الأصغر. وبسبب رد فعلها البطيء، سمحت لمصانع أساهي (Asahi) باللحاق بها وتجاوزها كرائد جديد للصناعة.

قد يجد المديرون أنفسهم كذلك مقيدين بعلاقاتهم مع الموظفين، مثلما حدث في ملحمة كمبيوتر آبل (Apple). نظرة آبل للكمبيوتر التي تتميز بالأناقة التقنية، إلى جانب ثقافة العمل بداخلها، جذبا بعضًا من أكثر المهندسين إبداعًا في العالم، والذين شرعوا في ابتكار سلسلة من المنتجات الناجحة مثل أبل 2، ماكيتنوش، وباوربوك. ومع تحول الكمبيوتر إلى سلعة أساسية، أدركت أبل أن استمرار نجاحها معتمد على قدرتها على تقليل التكلفة وتقليص وقت النزول إلى السوق. لكن فرض النظام الصارم المطلوب كان معاكسًا لثقافة أبل، ووجدت الإدارة العليا نفسها محبطة بسبب الفشل في فرض المزيد من التحكم، فالمهندسين ببساطة كانوا يرفضون تغيير أساليبهم. العلاقات مع الموظفين المبدعين، التي كانت وراء نمو أبل المبكر، تحولت إلى عائق أمام أبل في الاستجابة لتحولات السوق.

كما أن العلاقات مع الموزعين كذلك قد تتحول إلى قيود. شركة ديل (Dell) للكمبيوتر كانت تسبق الشركات المنافسة عن طريق البيع مباشرة إلى العملاء، أما المنافسين أمثال هويلت-باكارد (Hewlett-Packard) و آي بي إم IBM)) فكانوا شديدي البطء في تطبيق النموذج الذي ابتدعته ديل، خوفًا من رد فعل الموزعين وتجار التجزئة الذين كانوا مسؤولين عن معظم مبيعات هذه الشركات. شركات الطيران، مثل لوفتهانزا (Lufthansa) والخطوط الجوية البريطانية والملكية الهولندية KLM)) واجهوا مشكلة مماثلة. كانت هذه الشركات بطيئة جدًا في تبني البيع المباشر (عن طريق الإنترنت مثلًا) للعملاء، لأنهم كانوا يخشون إثارة غضب وكلاء السفريات الذين كانت خطوط الطيران تعتمد عليهم بشكل أساسي لحجز مقاعد طائراتهم.

4- تحوّل القيم إلى دوجما:

قيم الشركة، هي مجموعة من القناعات الراسخة التي توحد وتلهم العاملين لدى شركة ما. تحدد تلك القيم الطرق التي يرى الموظفون من خلالها أنفسهم ويرون رؤساءهم. “رجل فايرستون” مثلا كان يجسد الولاء للشركة والإخلاص لمجتمع العاملين بها. كما توفر القيم نوعًا من القوة الجاذبة تحافظ على تماسك الشركة في العمليات البعيدة مكانيًا.

بالرغم من ذلك، فمع نضوج الشركة، تتصلب هذه القيم وتتحول إلى قواعد جامدة تكتسب شرعيتها ببساطة من أقدميتها. مثل الشجرة المتحجرة، تتحول القيم التي كانت حية في السابق إلى صخرة باردة من الدوجما. وحين يحدث ذلك، لا تعود القيم ملهمة، كما تتحول قوتها الجاذبة إلى ردود أفعال دفاعية في مواجهة الأخطار. تكون النتيجة مرة أخرى، هي القصور الذاتي النشط.

التراجع التدريجي لشركة بولارويد (Polaroid) يشرح كيف تتحول القيم الحية إلى حفريات. في بداية تأسيسها على يد المخترع إدوين لاند (Edwin Land) سيطرت بولارويد على السوق بريادتها لسلسلة من التقنيات الجديدة، مثل التصوير الفوري، وكان موظفوها يفخرون بتقدم قسم البحث والتطوير لدى الشركة عن سواها. لكنه مع الوقت، تحول حرص بولارويد على الأبحاث إلى احتقار لأنشطة العمل الأخرى، فالتسويق والحسابات خصيصًا كانا يعدان من النشاطات قليلة الأهمية طالما كانت الشركة تمتلك التقنية الأكثر تقدمًا. وبسبب تقدير التقدم التقني فوق كل عامل آخر، استمر مديرو بولارويد في الاستثمار بقوة في الأبحاث، غافلين عن ردود أفعال العملاء. لذا لم يكن الأمر مفاجئًا حين وصلت المبيعات لمستوى التشبع. اليوم، تبلغ قيمة الشركة ثلث المبلغ الذي عرض مقابل الاستحواذ عليها في عام 1989.

التجديد، لا الثورة:

النجاح يصنع القصور الذاتي النشط، والقصور الذاتي النشط يصنع الفشل. فهل الفشل هو نتيجة حتمية للنجاح؟ في عالم الأعمال على الأقل، الإجابة لا. فبينما كانت فايرستون تتخبط، كانت جوديير تقوم بتحول تدريجي نحو الإطارات النصف قطرية ، مصبحة بذلك واحدة من القوى العظمى الثلاث في مجال الإطارات. يكشف لنا التاريخ الكثير من هذه الازدواجيات في عالم الأعمال، حيث تتفرق مصائر رواد ناجحين في عالم الأعمال حين يجبرون على الاستجابة لتغيّرات السوق، مثل جينيرال الكتريك وويستنجهاوس، وفولكسفاجن ورينو، وسامسونج وهانجين، وخطوط ساوثويست الجوية وبيبول إكسبريس.

يمكن للشركات الناجحة أن تتجنب -أو على الأقل تتجاوز- القصور الذاتي النشط. لكن أول مايجب عليهم فعله هو أن يتحرروا من فكرة أن عدوهم الأسوأ هو الشلل. يجب على تلك الشركات أن تدرك أن مجرد الحركة وحدها لا يحل شيئًا. في الواقع، الحركة قد تجعل الأمر أسوأ. وبدلًا من الاندفاع إلى سؤال، ماذا علينا أن نفعل، يجب على المديرين أن يتمهلوا ليسألوا، ما الذي يمنعنا؟ يجذب هذا السؤال الانتباه إلى الأمور الهامة: الأطر الاستراتيجية، والعمليات، والعلاقات، والقيم التي قد تخرب أي حركة عن طريق توجيهها في الاتجاه الخاطئ.

معظم الشركات التي تعاني تمتلك حسًا جيدًا بما ينبغي عليهم فعله، فهم يمتلكون أكوامًا من التقارير من محللين داخليين ومستشارين خارجيين، كلها مليئة بنفس النوعية من التوصيات. كان قادة فايرستون يدركون تفوق الإطارات النصف قطرية مثلًا، لكن مشلكتهم كانت عدم إدراكهم أن معادلات نجاحهم السابق سوف تمنعهم من الاستجابة للتغيير.

 

 

حتى حين تفهم الشركة حقيقة القيود التي تواجهها، فإنه يجب عليها أن تقاوم الدافع العفوي للاندفاع للأمام. بعض عمالقة الأعمال يحذرون المديرين من مغبة الاندفاع لتغيير كل نواحي العمل بالشركة في وقت واحد لإحداث ثورة في المؤسسة، مدفوعين بفرضية أن المعادلات القديمة يجب أن ترمى بعيدًا وبأسرع وقت ممكن. لكن أصحاب الخبرة ببرامج التغيير لا يشجعون هذا الاتجاه. يقول أصحاب الخبرة أن محاولة المديرين تغيير كل شيء مرة واحد، تدمر مهارات هامة، وتمزق نسيج العلاقات الاجتماعية الذي تكوّن على مدار السنين، كما تشوش العملاء والموظفين على حد سواء. الثورة تمثل صدمة للنظام، لكن الصدمة في بعض الأحيان قد تكون قاتلة.

تأمل ما حدث حين أدركت فايرستون العوائق التي تقف في طريقها للنجاح. في عام 1980، قرر مجلس أمناء فايرستون تعيين مدير تنفيذي جديد معروف بمهارته في تحويل الاتجاه. الرئيس التنفيذي الجديد لم يضيع أي وقت، فقام بغلق خمسة من أصل أربعة عشر مصنعًا محليًا للشركة، وقطع علاقات الشركة طويلة المدى مع العديد من العملاء، وغيّر عملية وضع الموازنة التي كانت تجري من الأسفل للأعلى بتطبيق صارم جديد لوضعها من الأعلى إلى الأسفل، وشغل مناصب المديرين الهامة بطاقم من المديرين الجدد من خارج الشركة.

هذه الثورة أنقذت فايرستون من الإفلاس، لكنها وضعت الشركة في وضع صعب من فرص النمو المستقبلي. فريق المديرين الجدد تخلّص من الكثير من أعمال فايرستون الواعدة، واستثمر بقوة في بيع الإطارات بالتجزئة، برغم تحذير قدامى العاملين في الشركة من أن منافذ الشركة لم تكن يومًا تدرّ ربحًا. صارت أيام فايرستون كشركة مستقلة معدودة.

أما جوديير، على الصعيد الآخر، فقد اتخذت مسارًا مختلفًا. قامت جوديير -مدفوعة باحترام ميراث الشركة لكن غير مقيدة به- بالتكيف مع البيئة التنافسية الجديدة عبر مجموعة من التغييرات الحذرة، ومن دون ثورة. قللت الشركة من كثافة إنتاجها من الإطارات التقليدية بطريقة تكشف احترام الشركة لالتزاماتها الطويلة مع موظفيها ومجتمع العمل داخلها. وحيثما كان ممكنًا، كانت جوديير تحول مصانعها الموجودة إلى إنتاج الإطارات النصف قطرية ، أو تبني مصانع جديدة للإطارات النصف قطرية بجوار المصانع التي تغلقها، محتفظة بمعظم العاملين، ومتجنبة الخلل في مجتمع العمل. وبينما كانت فايرستون تقلل مستوى خدمة العملاء لديها، استمرت جوديير في الاستثمار في علاقاتها بالعملاء، ممهدة الطريق لنمو مستقبلي.

إن كان هناك مثال واحد يحتاج إلى الثورة، فسيكون آي بي إم (IBM) في عام 1993. عندما ترك لو جيرستنر (Lou Gerstner) مجموعة آر جيه آر نابيسكو (RJR Nabisco) ليتسلم دفة (IBM)، التي كانت قد خسرت بحلول هذا الوقت 16 مليار دولار خلال ثلاث سنوات، وأطلقت عليها مجلة فورتشن (Fortune) دون غيرها لقب الديناصور، ككيان ضخم يوشك على الانقراض، بالإضافة إلى أنها كانت على وشك التقسيم إلى 13 كيانًا منفصلًا لبيعهم بالقطعة. هز جيرستنر حالة الركود التي كانت تسيطر على ثقافة (IBM) وقلل المصروفات بشكل كبير، في ذات الوقت الذي حافظ فيه على بعض من نقاط القوة في تقاليد الشركة ورعاها. بدلًا من أن يقلد جيرستنر أساليب وادي السيليكون في التحرر من كل القيود، اتجه الرجل إلى ترسيخ سمعة (IBM) في الاستقرار والمسؤولية، وطمأن زبائن الشركة أنه بإمكانهم الاعتماد على العلامة الزرقاء الكبيرة (Big Blue) لتساعدهم في الدخول إلى عالم الكمبيوتر الشبكي. وعوضًا عن هجر أعمال (IBM) في الحاسوب المركزي الكبير Mainframe))، توسع جيرستنر في الخدمات واستحوذ على برمجيات تكمل أعمال الشركة في المعدن الثقيل (الماكينات الحاسوبية الضخمة)، لتمكن الشركة من تقديم حلول متكاملة لاحتياجات العملاء في مجال تقنية المعلومات. كانت استراتيجية جيرستنر لتغيير (IBM) من خلال التجديد عوضًا عن الثورة، ناجحة بشكل لم يتخيله أحد، وقادت إلى نمو أكبر من أربعة أضعاف في سعر أسهم الشركة، كما ساعدت الشركة في استكمال طريقها كواحدة من قيادات الصناعة في القرن التالي.

تحول شركة (IBM) يمثل درسًا قيمًا لأي شركة ناجحة تواجه تغييرات جذرية. القصور الذاتي النشط يحدث بسبب أن قيود الماضي قوية للغاية، ومحاولة كسر تلك القيود من خلال الثورات الجذرية داخل المؤسسات يضع الجميع في وضع تائه وغير منتمي، محدثًا قطيعة مع الماضي بدون استعداد للمستقبل. لذا، فمن الأجدر بالمديرين احترام تراث الشركة، والبناء على أساسات الماضي، بينما يعلمون الموظفين أن الأطر الاستراتيجية القديمة، والعمليات، والعلاقات، وقيم الشركة، تحتاج دائمًا لأن يعاد صبها في قالب جديد لمواجهة التحديات الجديدة.


إعداد: إبراهيم صيام
تدقيق: دانه أبو فرحة

المصدر