كيف غيّر آينشتاين مجرى العلم بأربع أوراق بحثية؟


ألبرت اينشتاين لم يكن معروفاً في بداية العام 1905 وكان يعمل ست أيام في الأسبوع في مكتب براءات الإختراع في سويسرا، لكنه وعلى مدى الأشهر الاثني عشر التالية نشر أربعة أوراق علمية مهمة جداً، يمكن لكل واحدةٍ منها أن تغير نظرتنا عن هذا الكون.

يطلق العلماء على هذه السنة »السنة المعجزة« و باللاتينية «Annus Mirabilis» ويظهر مقطع الفيديو التابع لمنظمة TED-Ed أدناه كيف كانت أوراق اينشتاين المثيرة للدهشة التي نشرها في هذا العام.

https://www.youtube.com/watch?v=91XI7M9l3no

أي عالم يمكن أن يكون فخوراً لو قام بكتابة واحدة من تلك الأوراق فقط، لكن اينشتاين قام بإنجاز تلك الأوراق الأربع جميعاً بإنفجار مثير من الإلهام، تناولت أسئلة مهمة جداً تخص جزيئات الضوء ووجود الذرات والنسبية الخاصة وتكافؤ كتلة-الطاقة تلك النظرية التي انبثقت منها المعادلة الشهيرة: حاصل ضرب الكتلة في مربع سرعة الضوء يساوي الطاقة »ط = ك.س.«E=mc2)2)

فلنتحدث عن الضوء أولاً، فقديمًا اُعتُقِدَ أن الضوء ينتقل كموجات، على شكل انخفاضات وارتفاعات، لكن اينشتاين كان له رأي آخر.
حيث قال أن الضوء في الحقيقة يتكون من جسيمات محددة؛ أي عدد محدود من الفوتونات يمكنها الإنتشار في الفضاء.

كانت فرضيته التي تناولت التأثير الكهروضوئي والتي تقول أن شعاع الضوء يُطلِق إلكترونات من مادة ما، ثورية على حد كبير لا يمكن أن تكون مقبولة حتى بعد عشرين سنة.

أما في هذا اليوم فإن اكتشاف اينشتاين يعتبر حجر الأساس لإزدواجية موجة-جسيم، ذلك المفهوم الكمي كثير أن الضوء يمكن أن يكون على حالتين، موجات أو جسيمات.

كل هذا ولكن اينشتاين لم يبدأ بعد، فورقته التالية في مارس من عام 1905 تناولت مسألة إن كانت الذرات حقاً موجودة،, تلك المسألة التي تجادل فيها العلماء لقرون عدة.

استخدم اينشتاين هنا الحركة البراونية (حركة الجسيمات الصغيرة في سائل ما) ليثبت أن الذرات موجودة بحق، بعدد كبير جداً مسببة ارتطام الجسيمات بما حولها.

وأظهرت تجارب لاحقة أن حسابات اينشتاين كانت صحيحة، لكنه وبهذا لم ينتهي بعد.

بعد ذلك استمر اينشتاين بنجاحاته، ففي يونيو من عام 1905 اكتشف اينشتاين تلك الفرضية المثيرة المتعلقة بالنسبية الخاصة (طريقة في دمج فكرتين متناظرتين في مسألة إن كان من الممكن تفسير الحركة المُطلَقة)

حل اينشتاين هذا لا يمكن تطبيقه إلا في بعض الحالات الخاصة، لهذا السبب أُطلقت على النسبية الخاصة هذه التسمية، حيث افترضت أن سرعة الضوء ثابتة دائماً، بينما يختلف الزمان والمكان بالنسبة لراصد.

لتبسيط الفكرة هذه تخيل المثال التالي: لو تخيلنا أن هنالك سفينة في البحر وكان هنالك شخصاً في المرفأ يرصدها، لو قام البحار بإسقاط حجر من أعلى السارية فإن الحجر بالنسبة للبحار يسقط بشكل مستقيم في أسفل السارية، أما بالنسبة للراصد فإن الحجر ينتقل في زاوية حتى تواكب وتيرة السفينة.

صاغ استعارة السفينة هذه العالم الإيطالي غاليليو غاليلي في عام 1632، وهو مثال لما يطلق عليه »ثبوتية غاليليو« Galilean Invariance- تلك الفكرة التي تفترض أن الحركة المطلقة لا يمكن تعريفها.

لكن هذه النظرية لم تتوافق مع ما كان يعتقد به اينشتاين، حيث كان من المعروف أن سرعة الضوء ثابتة، في هذه الحالة فإن استبدال الحجر بشعاع الضوء أفسد الفرضية.

بحكم أن سرعة الضوء ثابتة، فإن لا بد من أن يسقط الضوء على السارية في نفس الوقت لكلا البحار والراصد، لكن في حالة الراصد على المرفأ فإنها تسافر بوقت أطول، لذلك لا بد أن يكون هنالك خطأ ما.

تلك اللحظة التي قرر فيها اينشتاين أن الزمان والمكان يمكن بسطهما كلاهما، ويعود الفضل للنسبية الخاصة في كل ما نمتلكه اليوم من مسرعات الجزيئات حتى الأقمار الصناعية التابعة لأنظمة تحديد المواقع GPS satellites.

نشر اينشتاين في آخر الأمر ورقته الأخيرة في سبتمبر من عام 1905، حيث كانت نوعاً من الإضافات التكميلية إلى ورقة النسبية الخاصة.
بعد التفكير المتواصل، استدل اينشتاين أن النسبية الخاصة توضح علاقة ثابتة بين الكتلة والطاقة في المعادلة الشهيرة »ط = ك.س2« التي تم ذكرها آنفاً.

توضح الفرضية أنه عند اقتراب جسم ما من سرعة الضوء تزداد كتلته. كان اينشتاين الشخص الأول الذي استطاع التوصل الى العلاقة بين الإثنين، تلك العلاقة التي تساعدنا اليوم في فهم التفاعلات النووية والكثير الكثير من الجوانب الفيزيائية.

إنجاز كل هذا في سنة واحدة لم يكن قليلاً ابداً، بالرغم من أن اينشتاين كان لديه الكثير من الأفكار المبتكرة التي لم تأتي بعد.
فلنأمل أنه كان لديه المتسع من الوقت للتمتع بقدح أو قدحين من الشراب بحلول العام 1905 وقدوم العام 1906 لأنه استحق ذلك بالتأكيد.


ترجمة: رامي الرضوان
تدقيق: يحيى أحمد

المصدر