كيف زودت العملية التطورية أيدينا بخمسة أصابع؟


هل تساءلت يوماً لماذا زوّدت أيدينا بخمسة أصابع حصرًا؟

طرح فريق الدكتورة “ماري كميتا” (Marie Kmita) هذا التساؤل، إذ كشف الباحثون في معهد عيادات مونتريال للبحوث جزءًا من هذا اللغز ونُشِر اكتشافهم المذهل مؤخرًا في دورية (Nature) رفيعة المستوى.

مسألة تطورية:

عُرِف منذ عدة سنوات أنّ أطراف العمود الفقري بما فيها اليدين والساقين تنشأ من زعانف السمك، حيث أدى التطور إلى ظهور الأطراف، وإنّ ظهور الأصابع بشكل خاص في الفقاريات يعكس تغييرًا في خطة الجسم المرتبطة بتغيّر مكان العيش والانتقال من بيئة مائية إلى بيئة اليابسة، كيف حدث هذا التطور؟ وهو السؤال المدهش الذي يعود إلى عمل تشارلز داروين.

في شهر آب، بيّن الدكتور “نيل شوبين” (Neil Shubin) وفريقه أنّ اثنين من الجينات وهي (hoxa13) و(hoxd13) مسؤولة عن تشكيل أشعة الزعانف وأصابعنا، فيقول “ياسين خير جميل” (Yacine Kherdjemil) المؤلف الأول للمقال الذي نشر في Nature: «هذه النتيجة مثيرة للغاية لأنها تظهر بوضوح وجود صلة جزيئية بين الأشعة الزعنفية والأصابع.»

ومع ذلك فإن الانتقال من الزعانف إلى الأطراف لم يحصل بين عشيةٍ وضحاها، حيث يُظهِر سجل الحفريات أنّ أسلافنا كانوا متعددي الأصابع “polydactyl” أي أنهم امتلكوا أكثر من خمسة أصابع، مما يطرح سؤالًا رئيسيًا آخر: ضمن أية آلية انتقى التطور وجود خمسة أصابع ضمن الأصناف الحالية؟

وقد أثار اهتمام فريق البحث ملاحظة واحدة على وجه الخصوص: “خلال عملية التطور لدى الفئران والبشر يتم تفعيل الجينات (hoxa11) و(hoxa13) في مجالات منفصلة من برعم الطرف، بينما في الأسماك يتم تنشيط هذه الجينات في مجالات متداخلة”، وفي محاولةٍ لفهم أهمية هذا الاختلاف بيّن “ياسين خير جميل” ذلك بإعادة استنساخ تنظيم الأسماك للجين (hoxa11) ، وتطوير الفئران لسبعة أصابع بمخلب، أي بالعودة لوضع الأجداد.

بالإضافة إلى ذلك اكتشف فريق آخر تسلسل الدنا المسؤول عن الانتقال من نمط تنظيم الأسماك للجين (hoxa11) إلى نمط الفئران، وتقول مديرة الفريق: «هذا يظهر أن التغير المورفولوجي (الشكلي) الكبير لم يحصل نتيجة امتلاك جينات جديدة بل نتيجة تغيير نشاطها.»

من وجهة نظر سريرية فإن هذا الاكتشاف يعزز الفكرة السائدة بأنّ التشوهات أثناء التطور الجنيني لا تحصل فقط بسبب طفرات في الجينات بل قد تأتي من الطفرات في تسلسل الحمض النووي المعروف باسم (المتتاليات التنظيمية) وفي الوقت الحاضر فإن القيود التقنية لا تسمح بتحديد هذا النوع من الطفرات مباشرة في المرضى، ومن هنا تأتي أهمية البحوث الأساسية باستخدام نماذج حيوانية.


ترجمة : رغد القطلبي
تدقيق: داليا المتني
المصدر