تحفيز الدماغ يجعل رجلًا مشلولًا يشعر بيده من جديد


ذكر المشاركون في الدراسة عن الشعور بإحساسات “ربما كانت طبيعية”

قد توجد أطراف صناعيَّة عصبيَّة حقيقيَّة في المستقبل البعيد؛ وهي أطراف صناعيَّة يمكن الشعور بها، وتتصرف كأنَّها حقيقيَّة، ولكن نتائج دراسة حديثة قرَّبت التكنولوجيا خطوةً واحدة إلى الواقع، حيث قام فريق في مقدمته باحثون من (جامعة بيتسبورغ- University of Pittsburgh) بتحريض كهربائي لدماغ رجل مشلول، مما سمح له بالشعور بإحساس اللمس في يده مجددًا، وتُعدُّ إعادة توليد هذا الإحساس بشكل كامل إحدى أهم التحديات التي تواجه (علم الأطراف الصناعيَّة العصبيَّة- Neuroprosthetics).

وتقول (جينيفر كولينجر- Jennifer Collinger) وهي بروفيسور مساعد في المعالجة الفيزيائيَّة وإعادة التأهيل في جامعة بيتسبورغ، ومؤلفة مُشاركة لهذه الدراسة: «في معظم المهام التي تتضمن توظيف الأشياء، أنت تعتمد حقيقةً على إحساس اللمس حتى تُوجِّه الحركة؛ أي أنك لا تستخدم النظر بالضرورة».

وتضيف قائلة: «أنت لا تملك أي حس بصري عن مدى شدة ضغطك عليه، أو ما عليك فعله لتُحافظ على وضعية ثابتة، فكل ذلك يأتي من إحساس اللمس».

وفي الدراسة، زرع جراحيون مجموعة مُنسَّقة من الأقطاب الكهربائيَّة «إلكترودات» في دماغ رجل يبلغ الثامنة والعشرين من عمره، ومشلول من العنق حتى أسفل الجسم نتيجة أذيَّةٍ في النخاع الشوكي تعرَّض لها منذ عشر سنوات، مُستهدِفين بشكلٍ خاص القشرة الحسيَّة الحركيَّة؛ وهي منطقة من الدماغ مسؤولة عن شعور اللمس.

وقبل الجراحة، استخدم الباحثون تقنيتي التصوير بالرنين المغناطيسي «MRI» وتخطيط الدماغ المغناطيسي «Magnetoencephalography -MEG» لتحديد مكان وضع الإلكترودات، وذلك بملاحظة المناطق التي تتفعَّل في القشرة الحسيَّة الحركيَّة عندما يقوم الرجل المُشارك في الدراسة بتخيل الإحساس في أجزاء مختلفة من يده اليمنى، وعندما زُرِعت الإلكترودات قام الباحثون بإرسال تيارات كهربائيَّة معتدلة لدماغ المريض، وهي تقنية تُعرف بـ (التحريض الميكروي الداخل قشري- Intracortical microstimulation).

وقد أجرت كولينجر وزملاؤها نوعين مختلفين من التجارب، كلاهما يتضمن التحريض الميكروي الداخل قشري للقشرة الحسيَّة الحركيَّة؛ بدايةً، تلقى المشارك التحريض أثناء مشاهدة رسم بياني ليد على الشاشة، وقد طُلب منه وصف الأحاسيس التي اختبرها وتحديد مواقعها في يده، فأبلغ المشارك أولًا عن أحاسيس في كفه العلوي وقاعدة أصابعه الأربعة، مع إحساس في منطقة صغيرة من خنصره (الإصبع الصغير) وثلثي المسافة إلى أعلى إصبعه المتوسط أيضًا.

وقد وصف المشارك الأحاسيس بكونها «ربما طبيعية» في 93% من التجارب المعنية بقياس طبيعية إحساس اللمس المجرَّب، بدون التعبير عن أي شعور على أنه «طبيعي تمامًا» أو «غير طبيعي تمامًا»، وأبلغ عن حدوث الشعور على الجلد وتحته في 94% من التجارب التي قاست عمق الشعور، بينما لم تحصل التجارب المعنية بدراسة إدراك الألم أي استجابة من المشارك.

وفي 190 تجربة معنية بتحديد نوعية الأحاسيس المُجرَّبة، أبلغ المشارك عن 67% من المُحرِّضات مسجلة كضغط، 15% مسجلة كدفء، و15% أخرى مسجلة كتحريض كهربائي، وفي تجربة وحيدة، شعر المشارك بالتحريض كذبذبة مزعجة.

وفي القسم الثاني من العملية، أسقط الباحثون نتاج حساسات عزم الدوران على أصابع معينة من يد صناعيَّة، والتي بدورها كانت مسقطة على الإلكترودات المقابلة لكل إصبع، بعد ذلك تم عصْب عيني المشارك وطُلب منه الإشارة إلى الإصبع الذي شعر بالضغط المطبق عليه، وعبر 13 جلسة تم إجراء 62 إلى 65 تجربة في كُلٍّ منها على أربعة أصابع، استطاع المشارك تحديد الإصبع المُحرَّض بشكل صحيح بنسبة 84% من المرات.

واستمرت كل هذه الاستجابات ثابتةً طيلة مدة الدراسة التي بلغت 6 أشهر، وتقول كولينجر: «كنا نأمل أن تكون هذه هي النتائج، ولكن ثباتية هذه الاستجابات على مر الوقت كانت مفاجئة بالتأكيد».

وقالت (لي ميلر- Lee Miller) رئيسة جمعية التحكُّم العصبي بالحركة، والتي لم تُشارك في هذه الدراسة: «تجيب هذه الدراسة عن سؤال صمد طويلًا عن ماهية الشعور بتنبيه القشرة الحسيَّة الحركيَّة». وتُضيف ميلر: «نحن الذين نقوم بهذا النوع من العمل على القردة عادةً ما نبدأ تقديمنا بـ: كم سيكون جميلًا لو أنَّنا استطعنا أن نسأل القردة كيف يبدو الشعور بذلك.

والحقيقة بأنَّ المريض وصف الإحساس الذي شعر به على أنه (ربما طبيعي) تُعطي تبصرًا بالاتجاه الذي يجب أن يسير به العمل، حتى عندما ندرك بُعد ما وصلنا إليه».

وقد اتفقت كولينجر وميلر على أنَّ الخطوة القادمة هي معرفة ضم الاكتشافات الحالية في هذا المجال، بناءً على تجارب سابقة تُظهر أنَّ القردة والبشر يستطيعون تعلُّم الإحساس بأشياء افتراضيَّة والتحكُّم بيدٍ آلية بواسطة عقولهم.

وانتهت كولينجر بقولها: «الخطوة القادمة المباشرة هي دمج التحكُّم الحركي بالاستجابة الحسيَّة».


إعداد: سارة وقاف
تدقيق: هبة فارس
المصدر