من هو ألان تورينغ و كيف غير مجرى الحرب العالمية الثانية ؟


موجز حياته:

ولد آلان تورينغ في الثالث والعشرين من يونيو عام 1912 في لندن، وأثبت في ورقته البحثيَّة الشَّهيرة «On Computable Numbers» أنَّه لا يمكن إيجاد خوارزمية واحدة شاملة لكل الحقيقة في الرِّياضيَّات، وأن الرِّياضيَّات تحتوي دائمًا على فرضيات لا يمكن تحديدها، قدمت هذه الورقة أيضًا الاختراع الذي سمي باسمه «Turing Machine»، كما أنَّ أبحاثه في هذا الميدان معروفةُ على نطاقٍ واسعٍ على أنَّها أساس الأبحاث التي تخصُّ الذَّكاء الصنعي.

مُقتبل حياته:

ولد العالم الانكليزي «آلان ماثيسون تورينغ-Alan Mathison Turing» في الثالث والعشرين من يونيو عام 1912 في «ميديا فال-Maida Vale» في لندن، ظهرت عليه علامات العبقرية منذ صغره، لاحظها أساتذته لكنهم لم يحترموها بالقدر الكافي.

وفي عامه الثالث عشر عندما التحق تورينغ بمدرسة «شيربورن-Sherborne» الخاصّة المعروفة أصبح مهتمًا بشكل خاص بالرِّياضيَّات والعلوم.

بعد انتهائه من مدرسة شيربورن التحق تورينغ بـ«كلية الملك-King’s College» في جامعة كامبردج، ليدرس هنالك من سنة 1931 إلى سنة 1934، وكانت نتيجة اطروحته أنَّه أثبت نظريَّة الحدِّ المركزي، واختير ليكون زميلًا في الكليَّة بعد تخرُّجه.

في عام 1936 سلم تورينغ ورقته بعنوان: «على الأرقام الحسابية، مع تطبيق لمسألة مشكلة القرار- On Computable Numbers, with an Application to the Entscheidungs problem» التي قدم فيها آلته «آلة تورينغ العالمية»، التي أُطلق عليها لاحقًا اسم «آلة تورينغ»، وهي قادرة على حلِّ أيّ عملية قابلة للحساب، وتعتبر المبدأ الاساسي الذي عملت عليه جميع الحواسيب المعاصرة.

على مدى العامين التَّاليين، درس تورينغ الرِّياضيَّات والتَّشفير في معهد للدراسات المتقدِّمة في جامعة برينستون ضمن ولاية نيوجيرسي، وبعد حصوله على شهادة الدكتوراه في عام 1938، عاد إلى كامبردج ليعمل بشكل جزئي لدى المدرسة الحكوميَّة للترميز والتَّشفير، وهي منظمة بريطانيَّة لكسر الشّيفرات.

تحليل الشفرات وبدايات أجهزة الكومبيوتر:

خلال الحرب العالمية الثانية كان تورينغ أحد أكثر الأعضاء تأثيرًا في مجال كسر الشِّيفرات، لاسيما الألمانية منها، وعمل في «بليتشلي بارك-Bletchley Park» في محطة «GCCS»، حيث قدَّم أهم خمس خطوات رئيسية في مجال تحليل الشِّفرات، بالإضافة إلى جهاز تحديد القنابل «آلة الكتروميكانيكية كانت تُستخدم في حل شفرات إشارات آلة الإنغما الألمانية -Enigma».

مساهمات تورينغ في كسر الشفرات لم تتوقف عند ذلك، حيث قام بكتابة ورقتين بحثيتين حول الطرق الرِّياضيَّة في حلِّ الشِّفرات، أصبحتا فيما بعد تابعتين لمدرسة التَّرميز والتَّشفير (والتي عرفت فيما بعد بمقر الاتصالات الحكومي)، وانتظر المقرُّ حتى أبريل من عام 2012 لينشرهما في المحفوظات الوطنية للمملكة المتَّحدة.

انتقل تورينغ إلى لندن في منتصف الأربعينيات وعمل في المختبر الفيزيائي الوطني، حيث قدَّم أبرز إنجازاته مع هذه الهيئة، فقد صمم تورينغ هناك محرك حاسوبي آلي قاد في نهايةِ المطافِ إلى مخططٍ مهمٍ جدًا لتخزين البرامج في الحواسيب.

بالرُّغم من أن النسخة النهائية من الحاسوب «ACE» لم يتم إصدارها، لكن المفهوم الذي قدمه بقي مستخدمًا من قبل شركات التكنولوجيا العالميَّة لعدة سنوات، مؤثرًا بذلك على تصميم الحاسوب الإنكليزي «English Electric DEUCE» والحاسوب الامريكي «American Bendix G-15»، ويلقى ذلك الحاسوب قيمة كبيرة لدى الكثيرين من العاملين في مجال الصناعة التكنولوجيَّة، كونه الحاسوب الشَّخصي الأول في العالم من بين نماذج الحواسيب الأُخرى.

شغل تورينغ مناصب رفيعة المستوى في قسم الرِّياضيَّات والتحق لاحقًا بمختبر الحاسوب في جامعة مانشستر في أواخر الأربعينات، وتناول لأول مرة مسألة الذكاء الاصطناعي في ورقته عام 1950 التي أطلق عليها اسم «الحوسبة الألية والذكاء- Computing machinery and intelligence» إضافة إلى أنه عرض تجربةً عُرِفت باسم «إختبار تورينغ-Turing Test» هي عبارة عن قواعد معياريَّة لإنشاء أي تصميم ذكي يناسب الصناعات التكنولوجية، وقد أثرت هذه التَّجربة على النقاشات في الذَّكاء الاصطناعي على مدى العقود الماضية.

مثليته الجنسية وإدانته وموته:

كانت المثلية الجنسية غير قانونيَّةٍ في المملكة المتًّحدة في بداية الخمسينات، واتُّهم تورينغ بعدم الاحتشام وممارسة الفاحشة حين اعترف للشرطة عند اتصاله بهم، إثر اقتحام منزله في شهر يناير 1952، أنه مارس الجنس مع مرتكب الجريمة «ارنولد موراي-Arnold Murray» ذو التسعة عشر عامًا.

اجبر بعد اعتقاله على الاختيار بين الإدانة المؤقتة شرط تلقيه العلاج الهرموني للحدِّ من الرَّغبة الجنسيَّة، أو أن يواجه عقوبة السَّجن.

لكنه اختار الأول، وبناءً على ذلك خضع للخصي الكيميائي عبر حقن هرمون الأستروجين الاصطناعي لمدَّة عام، أدت به في نهاية المطاف إلى العجز الجنسي.

وكنتيجة لإدانته، سُحِب منه التَّصريح الأمني ومُنِع من الاستمرار في عمله في التَّشفير في محطة «GCCS»، والتي أصبحت مقر الاتصالات الحكوميَّة «GCHQ» عام 1946.

توفي تورينغ في السّابع من شهر يونيو عام 1954، وعقب فحص الوفاة تبيَّن أنَّ السبب كان سمّ السيانيد.

بقايا التفاح وجدت على مقربة من جثَّته، وعلى الرغم من عدم وجود أيٍّ من قطع التُّفاح في جهازه الهضمي، فقد أفاد تقرير التَّشريح وجود أربع أونصاتٍ من سائلٍ في معدته تشبه رائحته القويّة رائحة اللّوز المرِّ، وكان ذلك نتيجةً لانحلال السيانيد، ووجدت آثارٌ لرائحة اللوز المرِّ داخل أعضائه الحيويّة أيضًا.

وانتهى التًّقرير إلى أنَّ سبب الموت هو الاختناق بسبب سمَّ السيانيد، الأمر الذي اعتُبِر انتحارًا.

في مقال لـ«BBC» في شهر يونيو من عام 2012، ناقش البروفيسور في الفلسفة «جاك كوبلاند- «Jack Copeland والخبير فيما يخصُّ تورينغ، أنَّ سبب الوفاة قد يكون حادثةً لأنَّ الأطباء لم يفحصوا السيانيد في التفاحة، ولم يُعثر على أيِّ دليل يشير إلى أنَّ تورينغ كان له دوافع انتحاريَّة، إضافة إلى ذلك فقد امتلك تورينغ السيانيد للقيام بتجارب كيميائيَّة في غرفته الاحتياطيَّة فقط.

الجوائز التي حاز عليها، الاعترافات والاعتذار:

بعد فترة وجيزة من الحرب العالمية الثانية، تسلَّم تورينغ وسام الإمبراطوريّة البريطانيّة تقديرًا لأعماله.

وكشف كاتب سيرته «اندريو هودغس-Andrew Hodges» في الذكرى السادسة والثمانين لميلاده عن العلامة الزرقاء الفخرية للمملكة المتحدة التي وضِعت في بيت طفولته.

وفي يونيو من عام 2007 كُشف النِّقاب عن تمثال لتورينغ بحجم إنسان في «بليتشلي بارك-Bletchley Park» في «بوكينغهامشاير-Buckinghamshire» في انكلترا.

وكُشف النقاب ايضًا عن تمثال آخر برونزي في جامعة «سري-Surrey» وذلك في الثامن والعشرين من اكتوبر من عام 2004 في ذكرى وفاته الخمسين.

بالإضافة إلى اعتباره الشَّخص الثاني الأكثر أهمية في تاريخ خريجي مدرسة برينستون بعد «حيمس ماديسون-James Madison» الحاصل على المركز الأول بحسب صحيفة برينستون الاسبوعيّة للخريجين.

كُرِّم تورينغ بعدة طرقٍ أخرى وبالأخص في مدينة مانشستر التي عمل فيها حتى نهاية حياته.

وفي عام 1999 اعتبرته مجلة التايم الأميركية واحدًا من بين الأشخاص المئة الأكثر أهميّة في القرن العشرين، وجاء في الصحيفة: «لا نستطيع إنكار حقيقة أنَّ الشَّخص حينما يضغط على لوحة المفاتيح مستعملًا برامج جداول البيانات أو معالجة النّصوص، فإنه يجسِّد بذلك آلة تورينغ».

تم تصنيف تورينغ ايضًا في المرتبة الحادية والعشرين على الصّعيد الوطني في استطلاع حول العظماء البريطانيون المئة في عام 2002.

وقد عُرِف تورينغ على صعيدٍ كبيرٍ من خلال تأثيره في علوم الحاسوب، واعتباره من قبل الكثيرين أنَّه مؤسس هذا المجال.

فيما بعد قدَّم «جون جراهام كومينغ-John Graham Cumming» عريضة اعتذار، ثم تبعه رئيس الوزراء «جوردون براون-Gordon Brown» الذي أصدر بيانًا في العاشر من سبتمبر عام 2009 نيابة عن الحكومة البريطانيَّة، يعتذر فيها إلى تورينغ على مقاضاته بسبب مثليته الجنسيَّة.


ترجمة: رامي الرضوان
تدقيق: دعاء عسَّاف
المصدر