مرحبا بك في اول مقالة من سلسلة الاقتصاد. من خلال هذه السلسلة سوف نحاول أن نحيط ببعض المفاهيم الأساسية في عالم الاقتصاد مع إرفاقها بمعالجة لبعض الظواهر الاقتصادية في محاولة لأن نفهم الأسس والمبادئ وراء كل ظاهرة من هذه الظواهر.
إن المعرفة التي ستنالها من قراءة هذه السلسة ستكون ذات وقع مهم عليك في قدرتك على حل المشاكل ولا سيما تلك المتعلقة بجوانب مالية أو استثمارية. إضافة الى إكسابك فهماً ولو بسيط عن كيفية جريان حركة المال والاستثمارات في العالم.

لنبدأ بالمبادئ أولاً: ما هو الاقتصاد؟

لا يعتبر الاقتصاد دراسة كيف تصبح غنياً, على الرغم من أن الاقتصاد قد يساعدك في ذلك. ولا يعتبر إيضاً دراسة أسواق التداولات المالية. الاقتصاد ببساطة هو دراسة الناس والفرص.

يعرفه لنا عالم الاقتصاد الشهير الفريد مارشال كالتالي :

الاقتصاد هو دراسة الانسان في حياة إدارة الاعمال الاعتيادية. تطرح الدراسة أسئلة عن كيفية حصوله على دخله وكيفية صرفه واستخدامه له. وبهذا, هي من جانب دراسة الثروة، ومن جانب آخر أكثر أهمية جزءاً من دراسة الانسان.

دعونا نتكلم الآن عن الاقتصاد بشيء يلمس الواقع أكثر. الاقتصاد هو محاولة طالب أن يقرر ما بين الذهاب أو عدم الذهاب الى الجامعة وكيف سيؤثر هذا على دخله في المستقبل.

الاقتصاد هو أيضا محاولة شركة أن تقرر ما بين تصنيع هواتف ذكية عادية أو تصنيع هواتف ذكية لوحية وبكيف سيتأثر هذا بما نريد نحن المستهلكون أن نشتريه.

الاقتصاد هو محاولة الحكومة أن تقرر إذا ما وجب عليها أن ترفع من انفاقها لمواجهة ركود في الاقتصاد وإن كان ذا قيمة بالنسبة لها المغامرة في الدَّين.

في الحقيقة انت تستخدم الاقتصاد في هذه اللحظة. انت قررت قراءة هذه المقالة مسبقا، والذي يعني بأن الفائدة تتتجاوز التكلفة بالنسبة لك.

لعلك تفكر بأن ما تقرأه مجاني, وأنك لن تخسر شيئا بقراءتك المقال, ولكن في الحقيقة من الممكن لك بدلاً من قراءة هذا المقال أن تقرأ مقالا آخر على الانترنت ربما عن الثقوب السوداء أو أفضل الطرق لتصبح رشيقا, وبهذا يكون سعر قراءتك المقال هو عدم قراءتك لمقال آخر. يدعو الاقتصاديين هذه الظاهرة بسعر الفرصة. إذا ما زلت تتابع قراءتك هذا المقال فبالنسبة لك إن ما تفعله هو أفضل استثمار لوقتك. ولكن دعونا ننظر الى الفكرة من ناحية أخرى.

تخيل أنك استيقظت صباحا, وكانت لديك رغبة في قراءة مقال ما عن ظاهرة سمعتها البارحة، ولكن قبل ذلك حاولت وضع برنامج ليومك. عليك الذهاب الى العمل، وشراء حاجيات منزلية، ثم الذهاب الى الطبيب والمهندس…. وفي النهاية لم تستطع إيجاد وقت لقراءة المقال أو حتى استبدال وقت مخصص لعمل آخر به.

وبذلك تكون قد استثمرت وقتك بما هو أكثر أهمية لك مع الاستغناء عن الاشياء الاقل اهمية. قد قمنا بالمثال السابق بتغطية أهم فكرتين في عالم الاقتصاد. الأولى هي فكرة النقص ( scarcity ) : تمتلك الناس رغبات غير محدودة ومصادر محدودة. والثانية: كل شيء له تكلفة. ومن خلال هاتين الفكرتين نجد أنه من واجبنا أن نحلل خياراتنا لنسثمر الحد الأقصى من إمكاناتنا المحدودة. إن هذا هو الاقتصاد!

دعونا الآن ننظر الى فكرة أخرى. مسؤولو الحكومة يستخدمون السياسات الاقتصادية لتوجيه السياسات العامة. تأثيراتهم منتشرة على نطاق واسع وتأثر بالملايين في كل دولة.

ولكن أحيانا تكون النظرية خاطئة وفي أحيان أخرى تكون السياسة خاطئة. يقوم الاقتصاديون بتعديل السياسة بالاعتماد على النظرية المدعومة بالبيانات وفهم ما يعرف بالدوافع. الحصول على الدافع الصحيح هو المفتاح الأساسي, ولكن في بعض الأحيان تكون هذه المهمة صعبة. دوعنا نأخذ على سبيل المثال بعض الجامعات العامة في بعض الدول. تزود الحكومة هذه الجامعات بالمال بشكل يتناسب طردا مع عدد الطلاب المسجلين في كل سنة.

وبالتالي ستمتلك الجامعات هنا دوافع مالية توجهها نحو تسجيل أكبر عدد من الطلاب من دون الاهتمام بأمور أخرى كمساعدة عدد أكبر من الطلاب في النجاح. لذلك كردة فعل قامت الحكومة بتوجيه تمويلها ليتناسب طردا مع عدد الناجحين والمتخرجين كل سنة من الجامعة. إن هذا الفعل قام بتوجيه تمويل الجامعة إلى برامج أكاديمية لمساعدة الطلاب بدلا من توجيهها إلى سياسات إعلانية وترويجية للجامعة.

ولكن من دون شك إن توجيه الدوافع هذا من الممكن أن يكون ضارا إذا كان تصميمه ضعيفاً. فمن الممكن لبعض هذه الجامعات أن تدفع الطلاب إلى التخرج من دون إعطائهم تعليم جيد. أو حتى أن تدفع الطلاب إلى دراسات أقل صعوبة من أجل رفع نسبة التخرج وزيادة التمويل المتلقى. فنلاحظ هنا أن التخطيط غير المدروس للدوفع من الممكن أن يؤدي إلى نتائج ضارة.

والآن دعونا نتناول آخر فكرة من هذه المقالة والتي تعتبر كتمهيد أساسي لمقالاتنا القادمة. علم الاقتصاد يقسم إلى فرعين: الكلي و المصغّر. الاقتصاد الكلي يتناول النظرة اقتصادية عامة و شمولية، ككتلة واحدة.

هو ينظر إلى الدولة عموما ويدرس مقدار انتاجها، البطالة، نسبة الفائدة، وانفاق الحكومة. فيما المصغر يتناول مواضيع أكثر خصوصية مثل: كم عدد العمال الذي يجب أن نوظفه حتى نرفع الربح؟ إذا أطلق منافسنا الأساسي منتجه في أيار, متى يجب أن نطلق منتجنا؟.

وصلنا هنا إلى نهاية مقالنا الأولى في هذه السلسلة. إن هذه البداية هي تمهيد لتناول موضوعات أكثر تشويقا في الاقتصاد. من نظرية الطلب والتزويد إلى السياسة النقدية, كلها موضوعات سوف نتناولها في المستقبل.

وكلها بهدف توسيع عقلك أكثر عما يجري من حولك من تداولات مالية, وجعلك أكثر قدرة على اتخاذ قرارات فعالة.


ترجمة: معن قريطم
المصدر