تختلف الرياضيَّات عن المجالات العلميَّة الأخرى، وهذا بسبب خضوعِ ادّعاءاتِها إلى اختبارٍ مُختلف عن اختبار المنهج العلمي.

فحين استعمال المنهج العلمي، يتمُّ فحص الادّعاءات من أجلِ التحقق منها أو رفضِها.

وبإمكان أي شخص القيام بتجارب دقيقة للتحقّق من كرويَّة الأرض–على سبيل المثال-أو من أنَّ البرق عبارة عن كهرباء.

ولم يستطع أحدٌ أن يقدَّم دليلًا قويًّا من أجل دحضِ هذه الادّعاءات (وغالبًا لن يتمكَّن أحدٌ من ذلك).

هذا المعيار التجريبي سيواصلُ تسليطَ الضَّوء على أسرار الكون التي لا تعدُّ ولا تُحصَى، لكن الرياضيَّات لا تجدُ هذا المعيار قويَّا بشكلٍ كافٍ.

لا يكفي في الرياضيَّات أن تُجرَى تجاربٌ على الادّعاءاتِ المطروحة من أجل التأكد من صحتها، بل يجب إثباتُ صحَّتِها في كل الحالات المُمكنة.

وقد تمكَّن الرياضيُّون من تحقيق هذا بالتَّفكير في الأدلَّة.

خذ هذه الادّعاءات على سبيل المثال:

1 – مجموع زوايا المثلَّث تُشكِّلُ خطًا مستقيمًا.
2 – قياسُ الزاوية المركزيَّة هو ضعفُ قياس الزاوية المحصورة في حال ما اشتركتَا في نفس القوس.
3 – مجموع مربَّع ساقيّ المثلَّث يساوي مربَّع وتر ذلك المثلَّث.

 

 

كلُّ رسمٍ بياني رأيناهُ يشرحُ تجربة كلِّ ادّعاء، لكنَّه لا يعني أنَّها صحيحة مهما يكن لأنَّ التجربة تدلُّ على صحة الادّعاء في حالة واحدة فقط.

ربَّما تُنجِحُ الصّدفةُ التجربةَ ــ لكن هذا لا يعني أبدًا أنَّها ستكون كذلك في جميع الحالات.

قد نكون أمام إمكانيَّةِ تقوية حُجَّتنا إذا ما طرحنا أمثلة أخرى، لكن ليسَ هكذا تعمل الرياضيَّات، وهذا لسبب وجيه.

لتأكيدٍ شيءٍ في الرياضيَّات، يجبُ أن نأكِّد على صحتهِ في جميع الحالات.

ونعم، في كلِّ حالة يُمكنِ تخيّلها.

لنرى مدى صلابةِ هذه الادعاءات الآن عبرَ استكشافِ الادعاء (يُرمز C) مع مزيدٍ من التفاصيل.

اليوم، يُعرف ذلك بنظرية فيثاغورس، تكريمًا للرياضيِّ الإغريقي المعروف فيثاغورس.

وتُكتب أحيانًا على شكل المعادلة التالية a^2+b^2=c^2 حيث أن الضلعين (a) و(b) ساقا المثلث و(c) هو الوتر (أي الضلع المُقابل للزَّاوية القائمة).

يقوم الادّعاء على أنَّ كل مثلَّث قائم قد ترسمهُ بيدك أو تجده في الطبيعة سيكون خاضعًا لتلك الخاصيَّة.

لا يهمُّ ما إذا كنت هنا على الأرض الآن أو على كوكب آخر بعد 10.000 سنة في المستقبل.

ستنطبق تلك المُعادلة على كل مثلَّث قائم يمكن أن يوجد، مهما كان طول أضلاعهِ.

الآن وغَدًا وإلى الأبد.

ألستَ مُقتنعًا بعد؟ دحضُ هذا الادّعاءُ في مُنتهى السُّهولة، فكل ما عليكَ فعله هو إيجاد مُثلَّثٍ واحد يخالفُ القاعدة.

قد تقضي ساعاتٍ أو أيَّام أو ربَّما سنوات وأنت ترسمُ وتقيسُ المثلَّثات القائمة على أمل إيجاد ذلك المثال الواحد الذي سيحطِّمُ نظريَّة فيثاغورس.

قد تُصبح مشهورًا للغاية إذا وجدت ذلك المثال الشاذ.

لكنك ستضيِّع وقتك في البحث فقط، لأنَّنا نعلمُ أنَّ نظريَّة فيثاغورس قد تمَّ إثباتها بالفعل.

نستطيعُ أن نكون على ثقة مُطلقة بمصداقيَّة ادّعاءاتِنا، لأنَّ البراهين الرياضيَّة هي أقوى بكثير من التجارب العلميَّة.

بدلَ أن نرسم ونقيس كل مثلَّث كان بالإمكانِ وجوده، وهذا أمرٌ مستحيل (سيأخذ منَّا وقتًا إلى الأبد حرفيَّا) يجبُ أن نكون مُبدعين.

أنظر إلى السلسلة الآتية من الرسومات التوضيحيَّة:

في الشَّكل الأوَّل (على اليسار) لدينا أربع نسخٍ من المثلَّث القائم.

إذا ما قُمنَا بجمع المثلَّثات الأربع حيثُ تشكِّل الزوايا القائمة الأركان الأربعة للمربَّع، سيكون الشكل الذي نحصلُ عليه وسطَ المكان هو نفسه مربَّع وتر المثلث (c2).

بعد ذلك، إذا ما أخذنا مثلَّثين (الشكل الثَّاني) وقمنا برتبيهما كما يظهر في (الشكل الثَّالث) سينتجُ عن ذلك مربَّعين، كلٌ منهما سيكون بنفس مساحة مربَّع ساقي المثلَّث القائم(a2+b2).

من هذا التوضيح، يبدُو واضحًا بشكل جليّ أنَّ مربَّع وتر أيّ مثلَّث قائم سيكون مساويًا لمجموع مربَّعي الساقين.

وخذ لحظة للتفكير في أنَّ هذه العمليَّة ستعمل مع أيِّ مثلَّثٍ قائم ممكن، سيكون من الواضح أنَّ هذا التمرين القصير يأكِّدُ صحَّة نظريَّة فيثاغورس.

وهكذا نعلمُ أنَّهُ من المستحيل أن نجد مثلَّثا قائمًا يشذُّ عن قاعدة فيثاغورس.

هذه الخاصيَّة التي يتمتَّعُ بها المثلث القائم كانت معروفة قبل فيثاغورس بوقت طويل.

أظهرت ألواحٌ بابليَّة تعود إلى حوالي 1700 سنة قبل الميلاد قائمة من المثلَّثات القائمة مع أطوالٍ كاملة العدد (وهذا ما نُشير إليه اليوم بثلاثيَّات فيثاغورس).

وجود هذه القوائم يتقرحُ معرفة البشر منذ القدم بوجود خاصيَّة مشتركة بين كلِّ المثلَّثات القائمة كما تشرح ذلك نظريَّة فيثاغورس.

في العصر الحالي، نطلق على ذلك مصطلح التخمين: وهو ادّعاءٌ رياضيٌ نعتقدُ بصحَّته، لكن دون أن يتمَّ تأكيده.

و التخمين الرياضي هو مرادفٌ للفرضيَّة في العلوم الأخرى؛ وهو في الأساس «تكهُّن».

حاز فيثاغورس على كلُّ ذلك الفضل بسبب كتابتهِ لذلك البرهان المعروف في القرن السادس قبل الميلاد، وهذا ما حوَّل التخمين إلى نظريَّة.

ويُمكن أن نذكرُ بعض الأمثلة التي بقيت حبيسَة مرحلة «التخمين» في عصرنا الحالي، من بينها «حدسية التوأمين الأولية» و «فرضية ريمان».

وتنتظر الشهرة والثراء الشخص الذِّي سيتمكَّن من حلِّ هذه ال التخمينات التي حيَّرت أجيالًا من الرياضيّين.

لماذا نستطيع أن نصلَ إلى ادعاءات رياضيَّة قويَّة لتلك الدرجة؟ يمكن أن نقول أنَّ ذلك يعود لإمكانيَّة تحديد الأشياء بشكل دقيق للغاية في الرياضيَّات.

وفي المنطق كما في العلوم الرياضيَّة ذلك يُسمَّى بـ «الشكليَّة».

بإمكاننا تحديد ما يشكِّلُ وما لا يُشكِّلُ المثلَّث القائم بشكل دقيقٍ للغاية، وهذا هو سبب قوَّة الادعاءات حول خصائصِ هذه الأشياءِ المُعرَّفة.

على سبيل المثال: خذ برتقالة وأرسم مثلَّثًا قائمًا عليها، رغمَ السَّخافة الذي يبدو عليه هذا الموقف، إلَّا أنَّ فعل ذلك مستحيل.

المثلَّث القائم كما تمَّ الاتفاق على صفاته من قبل، يجبُ أن يكون مستويًا.

رغم إمكانية رسم شكل يُشبه المثلَّث القائم بسهولة على تلك البرتقالة، سيكون فاقدًا لأَهمِّ شيء يميّزه، وهو شكله المستوي.

إذا ما أردت أن تقيس جانبي «شبه المثلَّث» ذاك، ستجد أن مربَّعَ الوترِ أصغرُ من مجموع مربعيّ الساقين.

حاجتنا إلى مثلَّثٍ قائم مستوٍ قبل إثبات صحة نظريَّة فيثاغورس هو ما يطلق عليه علماء الرياضيَّات بديهيَّة أو مُسَلَّمَة.

البديهيَّة أو «axiom» أتت من الأصل الإغريقي (ἀξίωμα – āxīoma) وهو الشَّيء الذي يُعبِّر عن نفسه كبرهان.

ونحن نُسمِّي ذلك اليوم «البديهيات المنطقية».

من أمثلة تلك البديهيَّات: كلَّ الزوايا القائمة مساوية لبعضها البعض.

في الوقت الحاضر، نعلم أنَّ أي نظام من الشَّكليات يحتاجُ إلى مجموعة جوهريَّة من القواعد ــوهي مجموعة من العبارات المنطقيَّة التي تُعتبر الأساس الذي تُبنَى عليه النظريَّة الرياضيَّة-في المقابل، البديهيَّات الغير منطقية التي نقدِّر فيها أنَّ المثلَّثِ القائم مستوٍ تُعرف بـ «مُسلَّمَة التوازي».

مبدئيًّا، تبقى الخطوط المتوازية على الأسطح المستوية على نفس المسافة عن بعضها البعض إلى ما لانهاية.

وهذا الأمرُ لا ينطبق عند الحديث على سطح البرتقالة أو على سطح مشوَّه مثل رقائق البطاطس.

وتُعرف الهندسة على الأسطح المستوية بـ «الهندسة الإقليديَّة» نسبةً إلى الإغريقي إقليدس صاحب الكتاب الذي ورَدَت فيه في القرن الثالث قبل الميلاد.

وبدءً من سنة 1813، قام علماء الرياضيَّات مثل كارل فريدريك جاوس وبعدهُ برنارد بالتنويه على ضرورة عدم اقتصارِ الرياضيَّات على شرح الأشكال الهندسيَّة المستوية.

هذا العمل أصبح في غاية الأهم بعد ذلك، وكان حجر الأساس الذي قادَ آينشتاين إلى نظريَّة النسبيَّة العامَّة سنة 1915، التي تشرحُ انحناء نسيج الزَّمكان.

فالبرهان الرياضي حجَّةٌ صلبة، تُظهِرُ صحَّة ادّعاءٍ رياضيٍّ معيَّن.

يمكنك الإطلاع على الصورة المتحركة: هنا


إعداد: وليد سايس.
تدقيق: عبدالله الصباغ.
المصدر