هل الأغلبية أكثر حكمة من الأقلّية؟ مالذي يجعل مجموعات من الناس أكثر ذكاءً من أخرى – و مالذي يجعلها أحياناً خاطئة بشكل كارثي؟


“هل سيّد الخواتم هو فعلاً أعظم عمل أدبي في القرن العشرين؟ و هل الخلاص من شاوشانك هو أفضل فيلم من أي وقت مضى؟ كِلا العنوانين مُنِحا ذلك التقييم من خلال أصوات الجمهور. ليس عليك أن تكون مهووساً بالأدب أو الأفلام حتى تتساءل عن الحكمة وراء ما يسمّى بـ ‘حكمة الجماهير’.

في عصر يُشجب بشكل روتيني بالفردية الأنانية، فمن الغريب أن نجد قدراً كبيراً من الإيمان ما زال يصاحب الحكم الصادر عن الجموع. مع ذلك، فكرة أن الجماهير أو المجموعات يمكن أن تتخذ أحكاماً جماعية أكثر دقة من الأفراد الخبراء، ليست بوهم و يمكن تحقيقها فعلاً.

إذن، فلماذا يكون قرار الحشد في بعض الأحيان صائباً و أحياناً أخرى خاطئاً بشكل كارثي؟

فكرة أن الحكم أو التقييم الجماعي يمكن أن يكون دقيقاً إلى حد ما و بصورة تدعو للاستغراب، تناولها كتاب جيمس سوريفيكي ‘حكمة الجماهير’ (2005) بصورة مفصّلة، و عموماً لاحظها من قبل اِبن عم تشارلز داروين، فرانسيس كَالتون في عام 1907. أشار كَالتون إلى أن متوسط جميع إدخالات التخمينات في لعبة “تخمين وزن الثور” دقيقة بشكل مثير للدهشة – لم ينجحوا فقط في التفوّق على معظم التخمينات الفردية، و إنما الخبراء في الماشية كذلك. هذا هو جوهر حكمة الحشود: متوسط حكمهم يتقارب نحو الحل الصحيح.

التفكير المعيب

مع ذلك، يشير سوريفيكي إلى أن الحشود أبعد مما تكون عن العصمة. حيث أوضح أن شرطاً واحد للحكم الجيد هو أن يكون قرار الأفراد مستقلاً عن قرار الآخرين. فإذا سمح الجميع لأنفسهم بأن تتأثر تخميناتهم بعضها ببعض، ستتجلّى حينئذٍ أكثر من فرصة بأن تنجرف التخمينات نحو تحيّز في غير محله. و قد تجلّى هذا التأثير للنفوذ الاجتماعي في تجربة من قبل فريق من المعهد الاتحادي السويسري للتكنولوجيا (ETH) في زيوريخ مطلع عام 2011. حيث طُلِب من مجموعات من المشاركين تقدير قياسات معينة في الجغرافية أو بعض التخمينات حول معدّل بعض الجرائم، مواضيع لا يتوقع لأحد منهم أن يمتلك معرفة كاملة حولها و كل ما عليهم فعله هو التخمين، كطول الحدود السويسرية الإيطالية، على سبيل المثال، أو العدد السنوي لمعدّل جرائم القتل في سويسرا. و عُرِضت على المشاركين مكافآت مالية متواضعة للتأكّد من أخذ الاختبار على محمل الجد.

وجد الباحثون أنه كلما زادت نسبة المعلومات التي تلقّاها المشاركين حول كل التخمينات التي قام بها الآخرون، كلما ضاق نطاق اختياراتهم، و ارتفعت احتمالية أن ينجرف محور هذا النطاق بعيداً عن القيمة الحقيقية. بعبارة أخرى، كانت المجموعات تميل نحو توافق في الآراء، لكن على حساب الدقة.

هذا الاستنتاج يتحدّى وجهة نظر مشتركة في مجال الإدارة و السياسة بأنه من الأفضل التوصّل إلى توافق في صنع القرار الجماعي، و الذي يمكن أن يقود نحو مواقف و قررات تعسّفية تتخذها الغالبية. و مقدار التعسّفية يعتمد على نوع الآراء التي تبدأ بها، كما يؤكّد فرانك شفايتزر، و زملائه من ETH. أي أنه إذا كانت المجموعة لديها أحكام أوّلية جيدة، فحينها سيصقل التأثير الاجتماعي القرار أو الحكم بدلاً من جرفه نحو اللادقة.

الانهيار المالي

لا حاجة للتحذير عن مخاطر الأحكام تلك عند صنّاع القرار: فتقليد السلوك كان ينظر له على نطاق واسع باعتباره واحداً من العوامل الرئيسية التي ساهمت و مازالت تساهم في الأزمات المالية. و علّق الفريق السويسري أن تأثير الرعيّة الضار و الاعتماد على رأي الأغلبية من المرجّح أن يكون أكبر أثناء معالجة المشاكل التي لا توجد لها إجابة صحيحة موضوعية، و هو ما يفسر ربما كيف أن الكثير من الدول الديمقراطية تنتخب أحياناً قادة غير كفؤين.

لكن هنالك عامل رئيسي آخر يجعل الجماهير دقيقة في قراراتها، أو عكس ذلك. فكرة أن الحشود الأكثر حكمة هي الأكثر تنوعاً، فيها الكثير من الصحة. و هذا الاستنتاج تم دعمه بدراسة عام 2004 من جامعة ميشيغان و جامعة لويولا في شيكاغو، حيث أظهر الباحثون أن في نموذج نظري لمجموعة صنع القرار، يكون أداء مجموعة متنوعة من المختصين في حل المشاكل في التخمين أفضل من تلك المجاميع التي يشكّلها فريق أفضل المختصين. بعبارة أخرى، العقول المتنوعة للمشاركين تؤدي بصورة أفضل عندما يتم حساب متوسط قراراتهم، مقارنةً مع عقول الخبراء.

من جانب آخر، و في الحالة التي يكون فيها القليل من المعرفة أمراً خطيراً، وجدت دراسة في عام 2011، من قبل فريق بقيادة جوزيف سيمونز من كلية ييل للإدارة في نيو هيفن، أن التنبؤات الجماعية حول نتائج مباريات كرة القدم الأمريكية قد انحرفت بعيداً عن النتائج الحقيقية بسبب الإفراط في الثقة في قرارات المشجعين، الشيء الي يجعل قراراتهم تنحاز إلى تفضيلاتهم في نتائج مباريات.

كل هذه النتائج تشير إلى أن معرفة الأشخاص في الجموع، و نسبة تنوّعهم فكرياً، هو أمر حيوي و مهم قبل أن تُنسَب إليهم أي حكمة أو وصف مشابه.
ترقية الاستخبارات.

يمكن أن تكون هناك وسائل لجعل الجماهير الموجودة أكثر حكمة في اختياراتها؟

في الشهر الماضي، كلينتين ديفيس-ستوبر من جامعة ميسوري و زملاؤه عرضوا عمليات حسابية في مؤتمر حول الذكاء الجماعي و التي بدورها توفّر بعض الإجابات.

في البداية قاموا بتنقيح التعريف الإحصائي حول ما يعنيه للحشد ليكون ‘حكيماً’ في قراراته، و تحديداً عندما يتعلّق الأمر ببعض الأحكام الإجمالية التي يكون فيها قرار الجموع يمكن اعتباره أفضل من القرارات التي يتخذها أفراد مختارين. يسمح هذا التعريف للباحثين بوضع مبادئ توجيهية لتحسين مستوى ‘الحكمة’ عند تقييم المجموعة. و هذا قد يعني أنه يجب إضافة أفراد مستقلين فكرياً بصورة عشوائية يتبنّون قرارات لا علاقة لها بتلك الموجودة عند أعضاء المجموعة و يفضّل أن تكون مختلفة قدر الإمكان. بعبارة أخرى، التنوع يتفوّق على الاستقلالية.

إذا كنت تريد أكثر دقة ممكنة، قم بإضافة أولئك الذين يختلفون بقوة مع مجموعتك. الآن تخيّل احتمالية أو نسبة المدراء و السياسيون الذين يختارون مرشحين ذو آراء متناقضة معهم للانضمام إليهم؟”


اعداد: سيف البصري


اقرأ أكثر.