يُـناقش علماء الفيزياء الفلكيِّة كيف يُمكن لتصادُمات النجوم الأكثر كثافةً في الكون أن تكون قادرةً على تشكيل المعادن الثقيلة مثل الذهب والبلاتين وأن تُساعد على تتبُّع تواريخ مجرَّاتٍ بأكملها.

 

قد أثار حيرة العلماء لأكثر من ستة عقود: ما هو أصل العديد من أثمن العناصر في الجدول الدوري، مثل الذهب والفضة والبلاتين؟

الآن هناك دراسة حديثة تمتلك الجواب، وتنقل لنا الذكريات في ضوء خافت من مجرِّة قزمة بعيدة.

في مناقشة المائدة المستديرة، التي نُشرت بتاريخ التاسع عشر من أيار 2016، تحدَّثت (مؤسسة كافلي – The Kavli Foundation) لاثنين من الباحثين وراء هذا الاكتشاف عن سبب الصعوبة البالغة لتتبُّع مصدر هذه العناصر الثقيلة، التي تُسمَّى مُجتمعةً عناصر
(r-process).

«إن فهم كيفية تشكُّل عناصر (r-process) الثقيلة هي واحدة من أصعب المشاكل في الفيزياء النووية»، كما قالت (آنا فريبل – Anna Frebel)، أستاذ مُساعد في قسم الفيزياء في
(معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا- Massachusetts Institute of Technology)
(MIT)، وكذلك عضو في (معهد كافلي- MIT  Kavli) للفيزياء الفلكية وأبحاث الفضاء (MKI).

«إن إنتاج هذه العناصر الثقيلة جدًا يأخذ الكثير من الطاقة المستحيل تقريبًا صُنعُها تجريبيًا»، وتابعت فريبل: «إن عملية صُنعِها لا تعمل على الأرض، لذلك كان علينا استخدام النجوم والأجسام الكونية كمختبرٍ لنا.«

وتُشير النتائج أيضًا إلى كيف يُمكن لتحديد محتويات نجوم أن يُلقي الضوء على تاريخ المجرَّة المُضيفة لهم. وهذا النهج المُلقَّب بـ (علم الآثار النجمي-stellar archaeology ) يسمح بقوة لعلماء الفيزياء الفلكية معرفة المزيد حول الأوضاع في الكون المُبكِّر.

وأضافت فريبل: «أعتقد حقـًا أن هذه النتائج تفتح بابًا جديدًا لدراسة تشكيل المجرَّات مع النجوم الفردية وإلى حدٍ ما العناصر الفردية، فنحن نربط بجدِّية جداول النجوم الصغيرة جدًا مع جداول المجرَّات الكبيرة جدًا».

في أواخر الخمسينيات توصَّل علماء الفيزياء النووية إلى أن الظروف القاسية في مكانٍ ما في الكون والمليئة بالجسيمات تحت الذريِّة تُسمَّى (النيوترونات- neutrons)، يجب أن تكون بمثابة المُصهِرات لعناصر (r-process)، والتي تشمل أيضًا المواد المألوفة مثل اليورانيوم والرصاص. وكانت انفجارات النجوم العملاقة والاندماجات النادرة للنجوم الأكثر كثافةً في الكون، المُلقَّبة بالنجوم النيوترونية، مصادرًا أكثر تصديقًا. ولكن كان هناك نقصٌ شديدٌ في الأدلة الرصدية.

وقد ملأ الآن باحثون في معهد كافلي هذه الفجوة من الملاحظات. فهناك تحليلٌ لضوء العديد من ألمع النجوم في مجرَّة صغيرة تُسمَّى (مجرَّة الشبكة 2 – Reticulum II)، وتقع على بُعد حوالي مائة ألف سنة ضوئية من الأرض، ويقترح هذا التحليل أن هذه النجوم تحتوي على كميات هائلة من عناصر (r-process).

وحيث أنه لا يمكن للنجوم أن تكون قد صَنعت العناصر الثقيلة من تلقاء نفسها، فبعض الأحداث في ماضي مجرَّة الشبكة 2 يجب أن تكون قد أثْرَتْ المادة التي نمت لتُصبح هذه النجوم. وإن وفرة العناصر في النجوم هو سببٌ مباشر في تصادم اثنين من النجوم النيوترونية.

اكتشف (الكسندر جي-  Alexander Ji) النجوم المُخصبة في مجرَّة الشبكة 2 أثناء استخدام تلسكوبات (ماجلان- Magellan) في مرصد (فيغاس كمباناس-
Campanas Observatory) في شيلي. وهو المؤلِّف الأول لورقة بحثـيِّة حول النتائج التي نُشِرَت في الحادي والثلاثين من آذار في مجلة (نايتشر- Nature).

وقال جي: »عند قراءة المحتوى لـ (r-process) للنجم الأول في التلسكوب لدينا، فقد بدا خطأ، فمثل تلك المواد لا يُمكن أن تخرج من هذه المجرَّة!» وأضاف في اجتماع المائدة المستديرة: «قضيتُ وقتًا طويلًا للتأكد من أن التلسكوب يُشير إلى النجم الصحيح».

وعلَّق جي أكثر حول كيف للاكتشاف أن يُساعد في إخبارنا أخيرًا قصة كيفية تواجد عناصر
(r-process): «بالتأكيد واحدة من الأشياء التي أعتقد أنها تجذب الناس إلى علم الفلك هو فهم أصل كل شيء من حولنا».

انضم (إنريكو راميريز_رويز – Enrico Ramirez-Ruiz)، أستاذ علم الفلك والفيزياء الفلكية في جامعة كاليفورنيا، سانتا كروز، بجانب جي وفريبل إلى المائدة المستديرة.

وقال: «أنا أعمل على الاندماجات النجمية النيوترونية لفترة من الوقت، لذلك أنا مُتحمِّسٌ للغاية لرؤية نتائج أليكس وآنا». وقال راميريز-رويز، الذي لم يُشارك في البحث: «هذه الدراسة التي هي في الواقع دليلٌ دامغٌ أن اندماجات النجم النيوتروني الغريبة كانت تحدث في وقت مُبكرٍ جدًا في تاريخ هذه المجرَّة القزمة بالذات، وعلى الأرجح في العديد من المجرَّات الصغيرة الأخرى. وبالتالي فإن اندماجات النجوم النيوترونية هي على الأرجح المسؤولة عن تراكم المواد الثمينة والتي نُسمِّيها عناصر (r-process) في جميع أنحاء الكون».

مصطلح (r-process): هي عملية الاصطناع النووي التي تحدث في انهيار مركز النجم  المستعر الأعظم (السوبرنوفا) ويكون مسؤولًا عن إنشاء ما يقرب من نصف الأنوية الذرية الغنية بالنيوترونات وأثقل من الحديد. وتنطوي العملية على سلسلة من ( التقاطات سريعة للنيوترونات – (rapid neutron captures ومن هنا جاء اسم (r-process).

إعداد: مريم خالد

تدقيق: هبة فارس


المصدر