كلنا يعلم مدى ضخامة الثقوب السوداء، فكيف إذاً يتمكن الفلكيون من قياس كُتلتها؟ طبعاً لا يمكنهم الوصول إليها ببساطة ليقوموا بـ”وزنها”، لكن لديهم طرق مُراوِغة لقياس كُتل الأجرام الموجودة في الفضاء، وقد طبقوها على الثقوب السوداء أيضاً.

بفضل أضخم وأقوى مرصد فلكي على كوكب الأرض، تمكن الفلكيون من التقريب إلى أقصى درجة لرؤية مركز مجرة بيضاوية الشكل تُدعى NGC 1332 والتي تبعدُ عنا حوالي 75 مليون سنة ضوئية، وذلكَ للوصول إلى أعلى دقة ممكنة من أجل معاينة الغازات التي تلتف حول الثقب الأسود العملاق الذي يتمركز في تلك المجرة. ورغمَ علمنا بأن معظم المجرات المعروفة تحتوي على هذا النوع من الثقوب السوداء العملاقة في مراكزها، إلا أن هذا الثقب الأسود المتوحش بالذات يمثل عينة استثنائية؛ فكتلتهُ تفوق كتلة شمسنا بـ 660 مليون مرة.

تم استخدام مصفوف مرصد أتاكاما المليمتري الكبير المعروف باسم ألما (ALMA) والمتواجد في دولة تشيلي، من أجل الوصول إلى دقة مُبهرة كهذه. ولكنه لم يُوَجّه لمعاينة الثقب الأسود مباشرةً، وإنما لقياس العواصف الهائجة المكونة من الغازات المجريّة العالقة في البئر الجذبي العميق للثقب الأسود.

في هذا الصدد يقول آرون بارث (Aaron Barth) من جامعة كاليفورنيا : “لحساب كتلة ثقبٍ أسود في مركز مجرة ما، ينبغي علينا قياس سرعة جرمٍ يدور حوله.” وفي دراسة له نُشرت في مجلة (Astrophysical Journal Letters) يضيف : “لقياس دقيق، يجبُ أن نقوم بالتقريب إلى درجة قصوى نستطيع من خلالها رؤية مركز تلك المجرة، حيث تكون جاذبية الثقب الأسود هي القوة المسيطرة”.

كما نعلمُ جميعًا، فالثقوب السوداء هي… سوداء. وتتمتع كتلتها بقوة جذب جبارة لدرجة أنه لا يمكن لشيء، ولا حتى الضوء، أن يفلت منها. وبما أننا لا نستطيع رؤيتها (لأن ذلك مستحيل بلا وجود ضوء)، يقوم الفلكيون بالبحث عن الثقوب السوداء عبر طرق غير مباشرة، من بينها على سبيل المثال، قياس انبعاثات الغازات الساخنة المحبوسة في نطاق القرص المزود للثقب الأسود. أو عبر النظر في تأثير كتلة الثقب الأسود في تشويه الزمكان والتسبب بحَني الضوء أو تجميعه كالعدسة من حوله.

 

لكن في مجرة NGC 1332، يمكن رؤية الغاز الجُزيئي البارد في محاذاة الثقب الأسود الموجود في مركزها. فإذا عرفنا المسافة بين السحابة الغازية والثقب الأسود، وباستعمال مرصد ألما لتحديد سرعتها، يمكننا قياس كتلة الثقب الأسود بدقة متناهية. ولا شك أن هذا الثقب الأسود ينتمي إلى فئة الأوزان الثقيلة من الثقوب السوداء العملاقة.

في هذه المجرة، تحولت الغازات إلى قرص مسطح شاسع من المواد التي تدور حول الثقب الأسود يصل طول نصف قطره إلى 800 سنة ضوئية. مقارنةً بالمسافة بين نظامنا الشمسي وأقرب نظام نجمي إلينا (رجل القنطور Alpha Centauri) والتي بالكاد تتجاوز 4 سنوات ضوئية، نجد أن نصف قطر تلك البنية الهائلة من المواد الدوارة أكبر بـ200 مرة.

q1

 

لا يمكن تحليل القرص بالاعتماد على الأطوال الموجية المرئية، فهو يظهر لنا كصورة ظلية على خلفية من النجوم الكثيفة المُزدحمة (كما تُظهر الصورة أعلاه المُلتقطة عبر مرصد هابل Hubble). بينما يقوم مرصد ألما (ALMA) برصد الأطوال الموجية الإشعاعية، وبما أن هذا القرص الغازي البارد يولّد انبعاثات إشعاعية، فقد استطاع الفلكيون تحليل أجزاء صغيرة من داخل القرص، بعرض لا يتجاوز 16 سنة ضوئية فقط.

هذه الدقة المذهلة في الحسابات سمحت بتحديد سُرعة الغاز الدوار ضمن حيز السيطرة المطلقة لقوة الجذب في الثقب الأسود، وهي مساحة تصل إلى 80 سنة ضوئية من الثقب الأسود. إن الغازات المُلتفّة حول الثقب الأسود تتحرك بسرعة هائلة تتجاوز 300 ميل في الثانية.

q2ثق

اعتمدت القياسات السابقة لكُتل الثقوب السوداء على ملاحظة الضوء المرئي الصادر عن الغازات المؤيّنة في الأقراص المزودة الساخنة الموجودة حول الثقب الأسود. ورغم أن العلماء قد تمكنوا من حساب كُتلة الثقوب السوداء باستعمال مراصد فلكية مثل مرصد هابل الفضائي، إلا أن طبيعة الأقراص المزودة الساخنة شديدة الاضطراب، ما يزيد الشك في مصداقية قياسات الضوء المرئي.

لكن من جهة أخرى، الانبعاثات الصادرة عن الغاز الجُزيئي البارد (في هذه الحالة، الانبعاثات ناتجة عن غاز أول أكسيد الكربون) في الأقراص المُمتدة تنشأ من بيئات أكثر سكوناً بكثير، ما يمنح الفلكيين أداةً جبارة تقيس عن بعد مدى ضخامة هذه الوحوش المجريّة التي تدعى: الثقوب السوداء.