“يكون الشيء مطابقًا لذاته” و”الأشياء المطابقة لشيء واحد تكون مطابقة لبعضها”.

هل فكرت يوماً بمثل هذه التعابير الأشبه بالألغاز؟ هذه التعابير هي التي اعتمد عليها إقليدس لإقرار مسلّماته.

طريقة المسلّمات AXIOMATIC METHOD:

هي طريقة لإثبات صحّة النتائج، فالأدلّة التي تخرج من المعادلات، تعطينا تأكيداً على أنّ النتائج صحيحة بشكل خاص، وفي العديد من الحالات يمكن أن نستنتج منها صحة شيء بشكل عام.

مثلاً: عرف المصريون والهندوس بالتجربة أنّه إذا كان أطوال أضلاع المثلث (3، 4، 5) فهو إذاً مثلث قائم، بينما افترض اليونانيون أنّه إذا كان هناك مثلث أضلاعه يُرمز لها (a، b، c) وإذا تحقّقت بينهم هذه العلاقة: ، عندها يكون المثلث قائم.

ما هي طريقة عمل المسلّمات؟

إذا أردتُ أن أقنعك بأنه هنالك شيء ما يُرمز له بالرمز S 1، فيجب أن أربط هذا الرمز برمز آخر بعقلك أنت تؤمن به فعليًا، وليكن الرمز الذي تؤمن به أنت هو S 2، وإن لم تكن تؤمن بالرمز S 2، يجب عليّ أن أبحث عن رمز آخر تؤمن به أنت، كي أقوم بربط الرمز S 2 به، ومن ثم أربط به الرمز S1.

ربما أضطر لأن أكرر هذه العملية عدّة مرات إلى أن أصل إلى تعبير مقبول لديك مُسبقاً، وهو التّعبير الذي لا أحتاج لإثباته، هذا التعبير يلعب دور “المسلّمة”.

إذاً، من أجل أن نقرّ بأن الدليل صحيح يجب توفّر ثلاث متطلبات:

  1. – الفهم الكامل لمعاني الكلمات والرموز المستخدمة في الحديث.
  2. – قبول تعابير معينة دون الحاجة لإثباتها، والمسمّاة بـ “المسلّمات” أو “البديهيّات”.
  3. – الموافقة على قواعد معينة للتفكير.

ولكي يكون الأمر أكثر سهولة لك، سنقوم بتوضيح المسلّمة مع وضع بعض الإيضاحات الهندسية، مسبوقة بالرمز “*”:

مسلمات إقليدس الأربعة الأولى:

اعتمد إقليدس في هندسته على خمس مسلّمات، فيما يلي سنمرّ على المسلّمات الأربع الأولى:

مسلّمة إقليدس الأولى:

من الممكن التوصيل بين أي نقطتين بخط مستقيم.

القطعة المستقيمة: هي عبارة عن مجموعة من النقاط عناصرها هي النقاط A و B وكل النقاط المتواجدة على الخط المستقيم والتي تقع بين النقطتين A و B. (شكل1).

مسلّمة إقليدس الثانية:

لكل قطعة مستقيمة AB وكل قطعة مستقيمة CD يوجد نقطة وحيدة E بحيث تقع B بين A و E والقطعة المستقيمة CD متطابقة مع القطعة BE. (الشكل 2).

* ليكن لدينا دائرة مركزها O، ولدينا مجموعة من النقاط تقع على طرف هذه الدائرة بحيث القطعة المستقيمة OP متطابقة مع القطعة المستقيمة OA.

كل القطع المستقيمة OA وOP تدعى نصف قطر الدائرة.

مسلّمة إقليدس الثالثة:

يمكن رسم الدائرة إذا عُلم مركزها ونصف قطرها.

لكل نقطة O وكل نقطة A غير منطبقة على O يوجد دائرة مركزها O ونصف قطرها OA. (الشكل3).

* الشعاع هو مجموعة النّقاط الممتدة على الخط المستقيم .

هذه النقاط تنتمي للقطعة المستقيمة AB وكل النقاط C على المستقيم بحيث تكون B بين A و C.

الشّعاع ينبثق من الرأس A ويكون جزءاً من الخط المستقيم . (الشكل4).

* يكون الشعاعان و متعاكسان إذا كانا مختلفان، وإذا انبثقا من نفس النقطة A، وإذا كانا جزء من نفس الخط المستقيم = . (الشكل5).

* الزّاوية التي رأسها A هي عبارة عن نقطة A مع شعاعين مختلفين وغير متعاكسين و يسمّيان أضلاع الزاوية وينبثقان من A. (الشكل6).

* إذا كان لزاويتين و ضلع مشتركة والضلعين الآخرين و يشكلان شعاعين متعاكسين فإنّ الزاويتين تكمّل إحداهما الأخرى، أي أنهما زاويتان متكاملتان (الشكل 7)

* الزاوية هي زاوية قائمة إذا كان لديها زاوية مكمّلة ومساوية لها. (الشكل8).

مسلّمة إقليدس الرابعة:

كل الزوايا القائمة مساوية لبعضها.

مسلّمة التوازي:

المسلّمات الأربعة الأولى كانت دوماً مقبولة من قبل الرياضيين.

أما المسلّمة الرابعة فكانت مثيرة للجدل بشكل كبير.

حالياً لن نضع المسلّمة بشكلها الذي ظهر في كتاب العناصر Elements، بدلاً من ذلك سنضعها بشكل أكثر سهولة.

* يكون الخطّين l وm متوازيان إذا لم يتقاطعا في أية نقطة، أي إذا لم توجد نقطة واحدة تنتمي لكل منهما بنفس الوقت.

(لاحظ أننا فرضنا أنّ الخطّين يوجدان في نفس المستوي، لاحظ أيضاً أن التعريف لا يقول بأنّ المسافة بين المستقيمين متساوية في كل الأمكنة).

مسلّمة إقليدس للتوازي:

لكلّ خط مستقيم l ولكلّ نقطة P لا تقع على l يوجد خط مستقيم وحيد m يمرّ من P ويكون موازي لـ l.

لماذا تثير هذه المسلّمة الجدل؟

ربما تبدو واضحة بالنسبة لك لأنك تعوّدت على التفكير بالطريقة الإقليدية.

لكن إذا أخذنا مسلّمات الهندسة كتعابير تجريدية، يمكننا حينها رؤية الاختلاف بين هذه المسلّمة والمسلّمات السابقة.

فالمسلّمة الخامسة مختلفة لأنه لا يمكننا التحقّق فيما إذا كان الخطّان المتوازيان سيلتقيان فعلاً أم لا، نستطيع رسم قطع مستقيمة ونستطيع الاستمرار في مدّها لنرى فيما إذا كانت ستتقاطع أم لا، ولكن هل يمكنك مدّها إلى اللانهاية؟

إذاً ما هو المعيار لمعرفة التوازي؟

برسم خطّ عرضي (يتقاطع مع كل من الخطين l وm في نقطتين مختلفتين)، وبقياس عدد درجات الزّوايا الداخلية ألفا وبيتا على جانب واحد من الخط العرضي t، فإذا كان مجموعهما أقل من 180 درجة فإن الخطين سيتقاطعان بنفس جهة وجود الزوايا.

وهذا في الحقيقة هو محتوى مسلّمة إقليدس الخامسة (الشكل9).

المشكلة في هذا المعيار هي أنّه مساوٍ منطقياً لمسلّمة إقليدس للتوازي والتي بيّناها الآن.

لذلك لا يمكننا الاعتماد عليه ليقنعنا بصحّة مسلّمة التوازي.

محاولات لإثبات مسلّمة التوازي:

بالرّغم من أنه من المفترض أن تكون المسلّمات بديهيات واضحة ليس فيها شك ولا تحتاج لإثبات، إلّا أن مسلّمة التوازي كانت غير مقبولة بشكل واضح، وعلى مدى 2000 عام حاول الرياضيون فصلها عن المسلّمات الأربعة الأولى أو إبدالها بمسلّمة أخرى أكثر بديهية، ولكن هذه المحاولات فشلت.

على سبيل المثال، كان الرياضي الفرنسي أدريان ليجاندر Adrien Marie Legendre من ألمع علماء الرياضيات في وقته وأسهم في العديد من الاكتشافات في مختلف المجالات، ومع ذلك فقد كان دوماً مهووساً بإثبات مسلّمة التوازي، وعلى مدى 29 عام نشر محاولات عديدة لإثبات صحتها (يمكنك الاطلاع على إحداها من المصدر).


  • تحرير: ناجية الأحمد
  • المصدر: كتاب هندسة إقليدس Euclid’s Geometry