موضوع يؤرّق الجميع دون استثناء، تكثر حوله النظريات، متراوحةً بين المؤامرة السياسية والتحليل العلمي المنطقي.

فيما يلي، تحليل علمي موضوعي لهبوط “مبرر” لسعر ما كان يسمى يومًا بالذهب الأسود.

يجدر في البداية أن أوضح بأن هبوط الأسعار -وإن بدا فجائيًا و حادًا- إلا أنه أتى نتيجة ظروف كثيرة وكثيرة جدًا بدأت بالظهور منذ سنوات. هذه الظروف يمكن تلخيصها بخمس نقاط أساسية.

  • السبب الأول أمريكي المنشأ. فارتفاع أسعار النفط خلال العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين شجّع الشركات المنقّبة عنه للاستثمار في النفط الصخري الأمريكي الذي ترتفع تكلفة إنتاجه. كلفة الإنتاج المرتفعة هذه لا تشكّل عائقًا أبدًا، فالولايات المتحدة سيصبح بمقدورها وقف الاعتماد على نفط الشرق الأوسط وفنزويلا وتحقيق الاكتفاء الذاتي، لا بل الانتقال لتصبح دولة مصدرة له كذلك. تضاعف الإنتاج الأمريكي خلال السنوات الثلاث الماضية، ما زاد العرض في الأسواق بشكل كبير، يضاف إليه انخفاض في النمو على الطلب هناك نتيجة السياسات الداعمة للطاقة المتجدّدة.

 

  • السبب الثاني أوروبي. لا يخفَ على أحدٍ أن منطقة اليورو تمرّ بمشاكل مصيرية. هذه المشاكل تتمثّل بأزمة الديون اليونانية وما تبعها من انكماش اقتصادي، أضف إليها أزمة الديون القبرصية، والمشاكل الاقتصادية الخطيرة التي تعاني منها كل من إسبانيا وإيطاليا. هذه العوامل جميعها، ألقت بظلالها على النمو في منطقة اليورو الملزمة بمساعدة الدول التي تعاني، حفاظًا على الوحدة الاقتصادية والسياسية الهشّة أساسًا، ولم تساعد أبدًا الأخبار المتداولة عن انفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي، الأمر الذي زاد من سواد المشهد الاقتصادي في القارة العجوز، التي تمرّ بمرحلة تباطؤ في النمو الاقتصادي. هذه القارة التي كانت تستهلك 19.9 مليون برميل يوميًا عام 2009؛ باتت اليوم تستهلك أقلّ من 18 مليون برميل في اليوم، أي تراجع الطلب الأوروبي على النفط بنسبة 10% وما يزال هذا الانخفاض مستمرًا.

 

  • ننتقل الآن للسبب الثالث وهو الصين. تمرّ الصين اليوم بفترة من ضعف النمو الاقتصادي. انعكس هذا الضعف على الاستهلاك الصيني. هذا الاستهلاك الذي كانت الزيادة المطّردة فيه سمة العقدين الأخيرين. التباطؤ في نمو الاقتصاد الصيني أدّى إلى توقّف نمو الطلب على النفط الخام، وإذا أردنا مقارنة الأرقام لوجدنا أن نمو الطلب انتقل من 10.76% عام 2010 لأقل من 1% عام 2015.

 

  • السبب الرابع هو التقدّم التكنولوجي الحاصل، الذي زاد وبشكلٍ كبير من كفاءة الآليّات المعتمدة على المشتقات النفطية، إضافة لبروز التكنولوجيا الصديقة للبيئة وخاصة في قطاع النقل، ما أثّر سلبًا على نمو الطلب.

 

  • السبب الخامس يتمثّل بالاتفاق النووي الإيراني، فإيران التي حدّت العقوبات عليها من قدرتها على تسويق نفطها؛ وقّعت اتفاقًا نوويًا تاريخيًا تخلّت فيه عن أي طموحٍ بامتلاك السلاح النووي مقابل رفع العقوبات عنها، وبالتالي عودتها كلاعبٍ أساسي في أسواق النفط العالمية، ما سيؤدي حتمًا لزيادة كبيرة في المعروض.

 

إذا ما جمعنا الأسباب المذكورة أعلاه وأضفنا إليها تباطؤ النمو الاقتصادي في البلدان النامية؛ يمكننا تفسير تراجع أسعار النفط على أنّه نتيجة للمعادلة الاقتصادية الأساسية، ألا وهي قاعدة العرض والطلب.

طبعًا، إنه لمن السذاجة بمكانٍ حصر الأزمة فيما ذكر أعلاه، فهذا التراجع يمكن تداركه لولا أسباب أخرى تضاف إليها.

لكن هل يمكننا الحديث عن مؤامرة؟

تكثر التحليلات مؤخرًا عن أن انخفاض الأسعار هو نتيجة مؤامرة سعودية أمريكية لضرب الاقتصادين الروسي والإيراني، وبالتالي إزاحة لاعبين مشاكسين من الساحتين الإقليمية (الشرق الأوسط) والدوليّة. هذا الادعاء الذي يلاقي رواجًا كبيرًا، لا يستند على أيّ أساس، ولم تتمكّن أيّ دراسة اقتصادية من إيجاد ولو دلالة واحدة عليه.

لماذا لا تنخفض أسعار النفط إذا كان خفض المعروض منه لتحقيق توازن في الأسواق؟

قبل الإجابة على هذا السؤال، سأقوم بطرح معضلة اجتماعية شهيرة، ستفسّر كل شيء إذا قمنا بتطبيقها على واقع السوق.

 

معضلة السجين:

فلنفترض أننا أمام جريمة، ومتهمين بارتكابها، جرى اعتقالهما ووضعهما في زنزانتين منفصلتين ليتمّ التحقيق معهما بحيث لا يمكنهما التواصل مع بعض.
عند التحقيق مع السجين الأول وهو السجين A يجد نفسه هذا المتهم أمام خيارين. إما التعاون مع التحقيق ومحاولة إلصاق التهمة بزميله، أو أن يتكتّم عن صديقه ويستمر بنفي الجريمة وأي دور له أو لصديقه فيها. نفس الأمر ينطبق على صديقه. طبعًا لا يعرف أي منهما ما سيكون جواب الآخر.

الاحتمال الأول: إذا ألصق المتهم A التهمة بـB ، سيخرج A من السجن، ويحكم على صديقه بثلاث سنوات.

الاحتمال الثاني: إذا أنكر A الجريمة وألصقها B به، سيفرج عن B ويحكم A بالسجن 3 سنوات.

الاحتمال الثالث: إذا أنكر كلاهما الجريمة، سيحكم عليهما بالسجن سنة واحدة فقط.

الاحتمال الرابع: أن يحاول كلّ منهما إلصاق التهمة بالآخر، عندها يحكم على كل من المتهمين بسنتين من السجن.

حسابيًا، نرى أنّه من الأفضل لهما أن يتكتّما، فيسجنا سنة واحدة لتكون المحصلة الإجمالية هي سنتين في السجن مقسّمة على شخصين. لكن عمليًا الأمر مختلف؛ فكلّ متهم سيخاف من أن يشي الآخر به، وليتفادى البقاء 3 سنوات خلف القضبان سيشي بصديقه. النتيجة ستكون دائمًا أنهما سيشيا ببعضهما، وسيقبعان 4 سنوات (مقسّمة على شخصين) خلف القضبان.

الآن لنطبّق هذا الأمر على أسواق النفط. السجينان في هذه الحالة هما منظمة الدول المصدّرة للنفط أوبيك، إضافة للدول المصدّرة من خارج المنظمة. كل فريق أمام خيارين، إما تخفيض الإنتاج أو الإبقاء على مستوياته كما هي. لكن ماذا لو خفضت السعودية إنتاجها، وأبقت روسيا على معدّلها ذاته؟ سترتفع أسعار النفط، وستفوز روسيا بحصّة أكبر في السوق، وبالتالي ستكون السعودية هي الخاسرة. نفس الأمر يمكن تطبيقه على أي دولتين. لهذا، تلجأ تلك الدول للأمان في خيارها. فالمتهمين الذين وشيا ببعضهما، فعلاها لتفادي 3 سنوات من السجن، مع أنه كان من الممكن الاكتفاء بسنة واحدة. وعند الدول، الخوف من خسارة حصّتها السوقية، يدفعها لاتخاذ القرارات التي نرى نتائجها حاليًا.
إذًا لا مؤامرة في الموضوع. الاقتصاد في هذه الحالة سجن، السوق هو السجّان، وجميعنا مسجونون.


 

مصدر الأرقام: www.indexmundi.com